بولادة ابنة له [ ظَلَّ وَجْهُه ُ مُسْوَدًّا ] بما يلحقه من الغمّ والحزن [ وَهُوَ كَظِيمٌ ] مملوّ من الكرب والغيظ .
ثمّ وبّخهم بما افتروه فقال : * ( [ أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ ] ) * أي أو جعلوا من ينشّأ في زينة النساء يعني البنات ومن شأنه أن يربّى في الزينة وهو عاجز عن أن يتولَّى لأمره بنفسه فجعلوا ينسبون شيئا هم يستنكفون منه إلى اللَّه وحاصل المعنى أنّهم ينسبون البنات إلى اللَّه والَّذي يربّى في الحلية وهو ناقص الذات لأنّه لولا نقص في ذاتها لما احتاجت تزيّن نفسها بالحلية .
ثمّ بيّن نقص حالها بطريق آخر وهو قوله : * ( [ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ ] ) * يعني إنّها إذا احتاجت المخاصمة والمنازعة عجزت وكانت غير مبين وذلك لضعف لسانها وقلَّة عقلها وبلادة طبعها ، ويقال : قلَّما تكلَّمت امرأة فأرادت أن تكلَّم بحجّتها إلَّا تكلَّمت بما كانت حجّة عليها فهذه الوجوه دالَّة على نقصها فكيف يجوز إضافتهنّ بالولديّة إليه سبحانه ؟
قال الرازيّ : والآية تدلّ على أنّ التحلَّي مباح للنساء وأنّه حرام للرجال لأنّه تعالى جعل ذلك من المعائب وموجبات النقصان وإقدام الرجل عليه يكون إلقاء لنفسه في الذلّ وذلك حرام لقوله صلَّى اللَّه عليه وآله : ليس للمؤمن أن يذلّ نفسه ، وإنّما زينة الرجل الصبر على طاعة اللَّه والتزيّن بزينة التقوى وإنّما قال : « وَهُوَ فِي الْخِصامِ » ولم يقل : وهي ، لأنّه حمله على لفظ « مَنْ » .
قوله : * ( [ وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً ] ) * بأن زعموا أنّهم بنات اللَّه * ( [ أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ ] ) * هذا أي أحضروا حتّى علموا أنّهم إناث ، وهذا كقوله : « أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ » « 1 » والمراد أنّ هذا الأمر الَّذي يزعمون ليس له طريق إلى ثبوته بالدلائل العقليّة وأما الدلالة النقليّة فكلَّها متفرّعة على إثبات النبوّة وهم منكرون للنبوّة فلا سبيل إلى إثبات هذا المطلوب إلَّا بالعيان فأنكر سبحانه عيانهم فثبت أنّ دعواهم غير محقّقة لا بضرورة ولا بدليل وقرئ « عند الرحمن » .
هامش
( 1 ) الصافات : 150 .