أمثالا منها أيّها الملك المغرور المبتلى إنّي لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها إلى بعض ولكن بعثتك كيلا تردّ دعوة المظلوم فإنّي لا أردّها وإن كانت من كافر ، وكان فيها أمثال منها : وعلى العاقل ما لم يكن مغلوبا على عقله أن يكون له ساعات ساعة يناجي ربّه فيها ويفكّر في صنع اللَّه وساعة يحاسب نفسه فيما قدّم وأخّر وساعة يخلو فيها بحاجته من الحلال في المطعم والمشرب وغيرهما وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه مقبلا على شأنه حافظا للسانه ومن علم أنّ كلامه من عقله قلّ كلامه إلَّا فيما يفيده .
وإنّما قدّم سبحانه في الذكر صحف موسى على إبراهيم لأنّ التوراة عندهم أشهر وأكثر وإنّما وصف سبحانه إبراهيم بالتوفية لأنّه عليه السّلام بالغ في الوفاء والابتلاء واحتمل أمورا عظيمة كالصبر على نار نمرود بيقين ثابت حتّى أتاه جبرئيل حين القي في النار فقال :
ألك حاجة ؟ فقال : أمّا إليك فلا ، وعلى ذبح الولد وعلى الهجرة وعلى ترك أهله وولده في واد غير ذي ذرع . روي أنّه عليه السّلام كان يمشي كلّ يوم يرتاد ضيفا فإن وجده أكرمه وإلَّا نوى الصوم وقد بذل مهجته للنيران وقلبه للرحمن وولده للقربان وماله للإخوان .
وبالجملة * ( [ وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى ] ) * عطف على قوله : « أَلَّا تَزِرُ » أي وهذا أيضا ما في صحف موسى وإبراهيم أي ليس له من الجزاء إلَّا جزاء عمله والسعي المشي الذريع دون العدو ويستعمل للجدّ في الأمر و « أَنْ » مخفّفة أي إنّ الشأن ليس للإنسان في الآخرة إلَّا سعيه في الدنيا من العمل وهو بيان أنّه لا يؤخذ بذنب الغير ولا يعطى ثواب عمل الغير له . قيل : كان ذلك لقوم إبراهيم وموسى وأمّا هذه الامّة فلهم ما سعوا وما سعى لهم غيرهم وينفع اللَّه الآباء في الأبناء والأبناء في الآباء وعلى ذلك قوله تعالى :
« آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً » « 1 » ولما روي أنّ امرأة رفعت صبيّا لها من محفّه وقالت : يا رسول اللَّه ألهذا حجّ ؟ قال : نعم ولك أجره والمؤمن يصل إليه ثواب العمل الصالح من غيره .
والمراد من الآية أنّ أحدا لا يقدر أن يدفع ويتحمّل عن غيره العقاب وهذا الحكم عامّ في كلّ الأمم والأقرب أن يكون قوله : « وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى » خالصا في
هامش
( 1 ) النساء : 10 .