قال ابن برجان : الإسراء مرّتين الأولى بالفؤاد وهذه المرّة بالعين ولمّا كان ذلك لا يتأتّى إلَّا ينزل بقطع مسافة البعد الَّتي هي الحجب عبّر بقوله : « نَزْلَةً أُخْرى » وعبّر الوقت بتعيين المكان فقال : « عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى » ولكن جلّ المفسّرين جعلوا الضمير في قوله « رَآه ُ » كناية إلى جبرئيل لا إلى الربّ كما قالت عائشة : سألت رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله عن ذلك فقال صلَّى اللَّه عليه وآله : رأيت جبرئيل نازلا في الأفق على صورته الأصليّة .
قال صاحب تفسير روح البيان : إنّ الشيخ الأكبر قال : إنّ معراجه صلَّى اللَّه عليه وآله أربع وثلاثون مرّة واحدة بجسده والباقي بروحه . قال البقليّ : بان الحقّ لحبيبه عند شجرة السدرة لا بالتجسّم كما بان لموسى من شجرة العنّاب .
وبالجملة فعظَّم اللَّه بيان شرف السدرة فقال : * ( [ عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى ] ) * وإضافة الجنّة إلى المأوى مثل إضافة مسجد الجامع أي قرب السدرة جنّة الخلد وهي في السابعة وقيل :
هي الجنّة الَّتي كان آوى إليه آدم عليه السّلام وتصير إليها أرواح الشهداء . وقيل : هي الَّتي يأوي إليه جبرئيل والملائكة وهذه الجنّة لا تقتضي الخلود لذاتها فلذلك أمكن خروج آدم منها .
* ( [ إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى ] ) * الغشيان بمعنى التغطية والستر وكلمة « إِذْ » ظرف زمان لرآه قال النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله : رأيت السدرة رفرف أي جماعة من طيور خضر - وقيل : يغشاها فراش أو جراد من ذهب - ورأيت على كلّ ورقة ملكا قائما يسبّح اللَّه فالطيور هم الملائكة وقيل : يغشاها من النور والبهاء والصفاء الَّذي يروق الأبصار ، وحاصل المعنى : إنّه صلَّى اللَّه عليه وآله رأى جبرئيل في الحال الَّتي يغشى فيها السدرة من الملائكة بصورة الفراش يعبدون اللَّه .
والتنكير في قوله : « ما يَغْشى » لتفخيم الأمر مثل قوله : « ما أَوْحى » . وقيل :
المراد من قوله : « ما يَغْشى » المراد الملائكة الَّذين استأذنوا للقاء النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله فأذن لهم وقيل لهم : لا تأتوه بغير نثار فجاء كلّ واحد منهم بطبق من أطباق الجنّة عليه من اللَّطائف فنثروه بين يديه . وفي الحديث أنّه صلَّى اللَّه عليه وآله أعطي عند السدرة ثلاثا الصلوات الخمس وخواتيم سورة البقرة وغفر لمن مات من امّته وهو غير مشرك باللَّه شيئا .
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 266
مساهمون: مير سيد علي الحائري الطهراني
ص٢٦٦