« أَفَتُمارُونَه ُ عَلى ما يَرى » فقال لهم رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله : أمرت أن أنصبه للناس فأقول : هذا وليّكم من بعدي وإنّه بمنزلة السفينة يوم الغرق من دخل فيها نجا ومن خرج عنها غرق .
* ( [ وَلَقَدْ رَآه ُ نَزْلَةً أُخْرى ] ) * أي رأى جبرئيل في صورته الَّتي خلق عليها مرّة أخرى ونزلة منصوب على الظرف الَّذي هو مرّة لأنّ الفعلة للمرّة من الفعل فكانت في حكمها في المعنى فيكون تقدير الكلام وباللَّه لقد رأى محمّد جبرئيل على صورته الأصليّة مرّة أخرى من النزول وذلك أنّه كان للنبيّ عليه السّلام ليلة المعراج عرجات لمسألة التخفيف في أعداد الصلاة المفروضة فيكون لكلّ عرجة نزلة فرأى جبرئيل بصورته الأصليّة في بعض تلك النزلات .
* ( [ عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى ] ) * أي كان جبرئيل عند السدرة وهي شجرة عن يمين العرش فوق السماء السابعة انتهى إليها علم كلّ ملك أو ينتهي ما يعرج إلى السماء وما يهبط من فوقها وهذه الشجرة حيث انتهى إليه الملائكة فأضيفت إليه وقيل : هي شجرة طوبى وهو مقام جبرئيل وكان قد بقي هناك عند عروجه صلَّى اللَّه عليه وآله إلى مستوى العرش فقال جبرئيل : لو دنيت أنملة لاحترقت والظاهر أنّ شجرة السدرة تبق في السماء السابعة عن يمين العرش ورقها كآذان الفيلة نبع من أصلها الأنهار المذكورة في القرآن وينتهي إليها الملائكة وجبرئيل رسول الملائكة إذا لم يتجاوزها فبالحريّ أن لا يتجاوزها غيره فأعلاها لجبرئيل كالوسيلة للنبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وكما أن خواصّ الامّة يشتركون مع النبيّ في جنّة عدن بدون أن يتجاوزوا إلى مقامه المخصوص به فكذا الملائكة يشتركون مع جبرئيل في السدرة بدون أن يتعدّوا إلى ما خصّ به من المكان وإليها ينتهي علم الخلائق ولا يعلم أحد ما وراءها ولو أنّ ورقة من تلك السدرة وضعت لأهل الأرض لأضاءت الأرض وإضافة السدرة إلى المنتهى إضافة الشيء إلى مكانه كقولك : أشجار البستان وإذا كان الفرض أنّ الضمير المفعول في قوله : « رَآه ُ » راجع إلى اللَّه كما أنّ المرئيّ هو اللَّه يعني أنّ محمّدا رأى اللَّه مرّة أخرى يعني مرّتين كما كلَّم موسى مرّتين فحينئذ كلمة « عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى » حال من الرائي لا من المرئيّ لأنّ اللَّه منزّه عن أن يحلّ في مكان أو زمان و « عِنْدَ » متعلَّق برأي .
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 265
مساهمون: مير سيد علي الحائري الطهراني
ص٢٦٥