قال القاضي أبو يعلى ولا قدرة للشياطين على تغيير خلقهم والانتقال في الصورة إنّما يجوز أن يكونوا معلَّمين كلمات وملقّنين ضربا من ضروب الأفعال إذا فعله وتكلَّم به نقله اللَّه من صورة إلى صورة فيكون قادرا على التصوير والتخييل معنى أنّه قادر على قول إذا قاله أو على فعل إذا فعله نقله اللَّه من صورة إلى صورة أخرى والتمثّل بصورة رجل أو غيره ليس معناه أنّ ذاته انقلبت رجلا بل معناه ظهر بتلك الصورة تأنيسا لمن خاطبه والقدر الزائد لا يزول ولا يفنى بل يخفى على الرائي فقط وتعدّد الصور بالتخيّل والتشكّل ممكن كما هو حاصل للجانّ .
قوله : * ( [ وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلى ] ) * كناية عن جبرئيل بالأفق المشرق وهو فوق جانب المغرب في صعيد الأرض لا في الهواء وكان النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله بحراء جبل النور قرب مكّة وقد مرّ بيانه .
* ( [ ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى ] ) * وقيل : فتدانى وتقديره قرب جبرئيل بعد بعده وعلوّه ثمّ تدلَّى أي زاد في القرب مثل قولك : فلان قرب منّي ودنا وقيل : المعنى استوى أي اعتدل واقفا في الهواء بعد أن كان نزل بسرعة ليراه النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله بصورته وقيل : إنّ المعنى استوى جبرئيل أي ارتفع وعلا إلى السماء بعد أن علَّم محمّدا وقيل : استوى جبرئيل ومحمّد بالأفق الأعلى يعني السماء ليلة المعراج وقيل : إنّ التدلَّي استرسال مع التعلَّق أي استرسل جبرئيل من الأفق الأعلى مع تعلَّقه به فدنا من النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله .
* ( [ فَكانَ ] ) * أي مقدار امتداد ما بين رسول اللَّه وجبرئيل ومسافة بينهما * ( [ قابَ قَوْسَيْنِ ] ) * وو القوس ما يرمي به وخصّت بالذكر على عادة العرب وقيل : المراد من القوس ما يقاس به الشيء والمراد مقدار ذراعين يقال : قاس الشيء يقوسه إذا قدّره وقوله : * ( [ أَوْ أَدْنى ] ) * أو أقلّ من ذراعين أو أقلّ من سيتي القوسين ومسافتهما والعباد يخاطبون على لغتهم وهو كقوله :
« أَوْ يَزِيدُونَ » « 1 » فإنّ التشكيك لا يصحّ على اللَّه فأو للشكّ من جهة العباد كما أنّ كلمة لعلّ كذلك في مواضع القرآن والمعنى لو رآهما راء منكم لقال : هو قدر قوسين في القرب
هامش
( 1 ) الصافات : 147 .