وبالجملة ما عدل صلَّى اللَّه عليه وآله عن الحقّ وما فارق الهوى وما خاب عن إصابة الرشد . وقيل : ما خاب سعيه بل ينال ثواب اللَّه وكرامته .
وقوله : « ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ » جواب القسم . والوحي قد يكون اسما بمعنى الكتاب الإلهيّ وقد يكون مصدرا وله معان الإرسال والإلهام والكتابة والإشارة إلى أنّ النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله قد فنى عن ذاته وصفاته وأفعاله في ذات اللَّه وصفاته وأفعاله بحيث لم يبق منه لا اسم ولا رسم فكان ناطقا بنطق الحقّ لا بنطق البشريّة فحينئذ لا يجري عليه الخطرات الشيطانيّة والهواجس النفسانيّة به وهذا معنى قوله : لست كأحدكم أبيت عند ربّي يطعمني ويسقيني وقوله صلَّى اللَّه عليه وآله : أنا من اللَّه والمؤمنون منّي .
* ( [ عَلَّمَه ُ شَدِيدُ الْقُوى ] ) * أي علَّم القرآن الرسول ونزل به عليه وقرأه عليه وبيّنه له هذا على أن يكون الوحي بمعنى الكتاب وإن كان بمعني الإلهام فتعليمه بتبليغه إلى قلبه صلَّى اللَّه عليه وآله فيكون كقوله : « نَزَلَ بِه ِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ » « 1 » « عَلَّمَه ُ شَدِيدُ الْقُوى » من إضافة الصفة إلى فاعلها مثل حسن الوجه والموصوف محذوف أي ملك شديد قواه وهو جبرئيل عليه السّلام ويكفيك دليلا على شدّة قواه أنّه قطع قرى قوم لوط من الماء الأسود تحت الثرى وحملها على جناحه ورفعها إلى السماء حتّى سمع أهل السماء نياح الكلاب وصياح الديكة ثمّ قلبها وصاح بثمود صيحة فأصبحوا جاثمين ورأى جبرئيل إبليس يكلَّم عيسى صلَّى اللَّه عليه وآله في بعض عقبات الأرض المقدّسة فنفخه نفخة بجناحه وألقاه في أقصى جبل في الهند وكان هبوطه على الأنبياء وصعوده عليه السّلام في أسرع من رجعة الطرف .
* ( [ ذُو مِرَّةٍ ] ) * أي حصافة واستحكام في رأيه وعقله ومتانة في دينه والمرّة بالكسر قوّة الخلق والعقل وفلان ذو مرّة أي محكم الفتل وذو مرّة جبرئيل .
* ( [ فَاسْتَوى ] ) * عطف على علَّمه أي فاستقام واستقرّ بصورته الَّتي خلقه اللَّه عليها وله ستّمائة جناح دون الصورة الَّتي كان يتمثّل بها كلَّما هبط إلى الأرض كما كان يهبط بالوحي أحيانا بصورة دحية الكلبيّ وأتى إبراهيم في سورة الضيف ولداود في صورة الخصم وذلك أنّ النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله أحبّ أن يراه في صورته الَّتي جعل عليها وكان رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله بجبل
هامش
( 1 ) الشعراء : 193 .