حراء وهو الجبل المسمّى بجبل النور بقرب مكّة فقال جبرئيل : إنّ الأرض لا تسعني ولكن انظر إلى السماء فطلع له جبرئيل من المشرق فسدّ الأرض من المغرب وملأ الأفق فخرّ رسول اللَّه كما خرّ موسى في جبل الطور فنزل جبرئيل في صورة الآدميّين فضمّه إلى نفسه وجعل يمسح الغبار عن وجهه فإنّ الجسد وهو في الدنيا لا يتحمّل رؤية ما هو خارج عن طور العقول .
وما رأى أحد من الأنبياء صورة جبرئيل بصورته غير نبيّنا صلَّى اللَّه عليه وآله فإنّه رآه فيها مرّتين مرّة في الأرض وهي هذه ومرّة في السماء ليلة المعراج عند سدرة المنتهى . وروي أنّ حمزة بن عبد المطَّلب استدعى من رسول اللَّه وقال : أرني جبرئيل في صورته فقال : إنّك لن تستطيع أن تنظر إليه قال : بلى يا رسول اللَّه أرنيه فقعد ونزل جبرئيل على خشبة في الكعبة كان المشركون يضعون ثيابهم عليها إذا طافوا فقال صلَّى اللَّه عليه وآله : ارفع طرفك يا حمزة فانظر فرفع عينه فإذا قدماه كالزبرجد فخرّ مغشيّا عليه ، وروي أنّه رآه على فرس والدنيا بين كلكلها وفي وجهه أخدود من البكاء لو ألقيت السفن فيه لجرت وإنّما رآه صلَّى اللَّه عليه وآله مرّتين ليكمل له الأمر مرّة في عالم الكون والفساد وأخرى في المحلّ الأعلى وإنّما قام بصورته ليؤكّد أنّ ما يأتيه في صورة دحية هو هو .
فإن قيل : كيف يجوز أن يغيّر الملك صورة نفسه وهل يقدر غير اللَّه على تغيير صورة المخلوقين وقد ثبت أنّ جبرئيل أتى رسول اللَّه في صورة رجل وقد قيل : إنّ إبليس أتى قريشا « 1 » في صورة شيخ نجديّ .
فالجواب عنه أنّ التغيير الصورة الَّذي هو تغيير التركيب والتأليف لا يقدر عليه إلَّا اللَّه لكن صفة جبرئيل بفعل اللَّه وقد جعل اللَّه لجبرئيل بأمره هذه القوّة وليس انتقاله عليه السّلام من صورة إلى صورة يكون بنقض البنية وتفريق الأجزاء وتمزيقها حتّى إذا انقضت بطل الحياة واستحال وقوع الفعل من الجملة ويحتاج إلى إحياء ثان فيكون تلك القدرة من جبرئيل محال وأمّا إبليس فكان ذلك تخييلا للناظرين وتمويها دون التحقيق كفعل السحرة بالعصيّ والحبال .
هامش
( 1 ) عند اجتماعهم في دار الندوة لإطفاء نور اللَّه .