ولمّا كانت هذه المدّة المذكورة إمّا قد تزاد وإمّا قد تنقص بحسب ضعف الأمزجة وقوّتها جعل الغاية فيه مدّة أربعين سنة فإنّ هذا الوقت تسكن أفعال القوى الطبيعيّة بعض السكون وتنتهي له أفعال القوّة الحيوانيّة غايتها وتأخذ القوى الطبيعيّة والحيوانيّة في الانتقاص وتأخذ القوّة النطقيّة والعقليّة في الاستكمال وهذا أحد الدلائل من أنّ النفس غير البدن فإنّ البدن عند أربعين يأخذ في الانتقاص والنفس من الأربعين يأخذ في الاستكمال ولو كانت النفس عين البدن لحصل لشيء الواحد في الوقت الواحد الكمال والنقصان وذلك محال وهذا بيان قوله : * ( [ حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّه ُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ ] ) * أي ألهمني ، وأصله أو معنى من أوزعه بكذا * ( [ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاه ُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي ] ) * أي اجعل لي خلف صدق ولك عبيد * ( [ إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ] ) * المنقادين لأمرك وهذا الدعاء تصريح بأنّ القوّة النفسانيّة العقليّة تستكمل في هذا الوقت .
وفي الكافي عن الصادق عليه السّلام قال : لمّا حملت فاطمة عليها السّلام بالحسين عليه السّلام جاء جبرئيل عليه السّلام إلى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وقال : إنّ فاطمة ستلد غلاما يقتله امّتك من بعدك فلمّا حملت فاطمة عليها السّلام بالحسين كرهت حمله وحين وضعته كرهت وضعه قال عليه السّلام : لم تر في الدنيا أمّ تلد غلاما تكرهه ولكنّها كرهت لما علمت أنّه سيقتل قال عليه السّلام : وفيه نزلت هذه الآية .
وفي رواية أخرى ثمّ هبط جبرئيل عليه السّلام فقال : يا محمّد إنّ ربّك يقرؤك السّلام ويبشّرك بأنّه جاعل في ذرّيّته الإمامة والولاية والوصيّة فقال عليه السّلام : إنّي رضيت ثمّ بشّر فاطمة بذلك فرضيت قال : فلو لا أنّه قال : « أصلح في ذرّيّته » لكانت ذرّيّته كلَّهم أئمّة قال : ولم يرضع الحسين من فاطمة ولا من أنثى كان يؤتى به النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله فيضع صلَّى اللَّه عليه وآله إبهامه في فيه فيمصّ منها ما يكفيه اليومين والثلاث فنبت لحم الحسين عليه السّلام من لحم رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله ودمه من دمه ولم يولد لستّة أشهر إلَّا يحيى بن زكريّا والحسين عليهما السّلام .
قوله تعالى : [ سورة الأحقاف ( 46 ) : الآيات 16 إلى 20 ] أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ ( 16 ) وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْه ِ أُفٍّ لَكُما أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّه َ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّه ِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هذا إِلَّا أَساطِيرُ الأَوَّلِينَ ( 17 ) أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ ( 18 ) وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 19 ) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ ( 20 )