وقرئ نحيا بضمّ النون في معناه أقوال : أحدها يعني نحيا ونموت فقدّم وأخّر والثاني نموت بأنفسنا ونحيا ببقاء أولادنا والثالث يموت بعضنا ونحيا بعضنا ويمكن أن يريد به التناسخ فإنّه عقيدة أكثر عبدة الأوثان .
ثمّ جمعوا بين إنكار الإله والبعث والقيامة بقولهم : * ( [ وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ ] ) * ومقصودهم أنّ تولَّد الأشخاص إنّما كان بسبب حركات الأفلاك الموجبة لامتزاجات الطبائع وإذا وقعت تلك الامتزاجات على وجه خاص حصلت الحياة وإذا وقعت على وجه آخر حصل الموت فالموجب للحياة والموت تأثيرات الطَّبائع فهذا هو المراد من قولهم : « ما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ » .
فقال سبحانه : * ( [ وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ ] ) * نفى عنهم العلم لجهلهم بسبب نسبتهم ذلك إلى الدهر * ( [ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ] ) * ما هم فيما ذكروه إلَّا ظانّون وقد روي في الحديث قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : لا تسبّوا الدهر فإنّ اللَّه هو الدهر أي فإنّ اللَّه هو الآتي بالحوادث لا الدهر لأنّ الدهر هو مخلوق مقهور وكان أهل الجاهليّة ينسبون الحوادث والبلايا النازلة إلى الدهر ويقولون : فعل الدهر كذا وكانوا يسبّون الدهر فقال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : لا تسبّوا الدهر فإنّ الدهر لا يحدث أمرا فلا تسبّوا فاعلها ونسبة الحوادث إلى الدهر كان شائعا فيهم قال الأصمعيّ : ذمّ أعرابيّ رجلا فقال : هو أكثر ذنوبا من الدهر وقال كثيّر :
وكنت كذي رجلين رجل صحيحة
ورجل رمى فيها الزمان فشلَّت
ثمّ قال سبحانه : * ( [ وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ] ) * وذكروا هذه الشبهة الضعيفة حجّة بزعمهم وأنكروا البعث بقولهم :
فائتوا بآبائنا الَّذين ماتوا ليشهدوا لنا بصحّة البعث وليس هذه الكلمة الواهية بشيء لأنّه ليس كلّ ما لا يحصل في الحال وجب أن يكون ممتنع الحصول فإنّ حصول كلّ واحد منّا كان معدوما من الأزل إلى الوقت الَّذي حصلنا فيه ولو كان عدم الحصول في وقت معيّن يدلّ على امتناع الحصول لكان عدم حصولنا كذلك وذلك باطل بالاتّفاق .
ثمّ قال سبحانه :