فمن المعاصي ما يقع والعامل فيه موافق جنانه ولسانه وأركانه ومنها ما يقع والجنان واللسان مخالف للجوارح ويرتكب جريمة كارها بقلبه لما يقترف من ذنبه مستغفرا لربّه يعترف بسوء ما يقترف فهو أيضا عبادة الشيطان بالأعضاء الظاهرة ومتى كان العاصي منزجرا مستكرها بالقلب فهو مصداق الحديث النبويّ حيث قال قال اللَّه : لو لم تذنبوا لخلقت أقواما يذنبون ويستغفرون فأغفر لهم .
إذا عرفت هذا فالطاعة الَّتي تقع بالأعضاء الظاهرة للشيطان إذا كانت البواطن طاهرة فمكفّرة بالأسقام والآلام كما ورد في الأخبار ومن ذلك قوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : الحمّى من فيح جهنّم وقوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : السيف محاء للذنوب أي لمثل هذه الذنوب ويدلّ عليه ما قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم في الحدود أنّها كفّارات وما يكون بالقلوب فلا خلاص عنه إلَّا بالتوبة والندم وإقبال القلب على الربّ فالقلب أمير واللسان خاصّته والأعضاء خدمه فما يصدر من القلب فهو العظيم من الذنب لأنّه أعرض عن اللَّه وأقبل على محبّة غير اللَّه فهو المستعقب للعقاب الأليم والعمدة في سبب عداوة إبليس لآدم تكرمة آدم فحسده وشقاوة إبليس بسبب ترك السجود لآدم فإذا كان الشيطان للإنسان عدوّا مبينا فما بال الإنسان يميل إلى مراضيه من الشراب والزنا ويكره مساخطه من العبادة والمجاهدة والسبب أنّ اللعين يستولي على الإنسان بمعونة من نفس الإنسان وترك الإنسان الاستعانة باللَّه فيستعين الشيطان بشهوة الَّتي خلقها تعالى فيه لجواز التكليف ولمصالح بقائه وبقاء نوعه والجاهل يجعلها سببا لفساد حاله وتتقوّى الشيطان بالدعوة بها إلى مسالك المهالك كما أنّ اللعين يستعين بغضبه الَّذي خلقه اللَّه فيه لدفع المفاسد عنه فيجعله سببا لوباله وفساد أحواله وميل الإنسان إلى المعاصي كميل المريض إلى المضارّ فترى المحموم يريد الماء البارد وهو يزيد في مرضه وصحيح المزاج والعاقل لا يشتهي إلَّا ما ينفعه فالدنيا كالهواء الوبيء لا يستغني الإنسان عن الاستنشاق وهو المفسد لمزاجه ولا طريق له في الاستخلاص إلَّا الاستصلاح بالهواء الطيّب والروائح العطرة والرشّ بالخلّ والماورد فكذلك طريقة الإصلاح في الدنيا ترك استنشاق الهواء الوبيء الَّذي هو الشيطان ، وترك هوى النفس الَّذي يعين عدوّ اللَّه وتحريف الهوى بالتذكّر والذكر الطيّب الَّذي هو بمنزلة الخلّ والعطر لفساد
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 94
مساهمون: مير سيد علي الحائري الطهراني
ص٩٤