النار ثمّ بيّن حال من اتّبعه وحال من خالفه والعاقل إذا علم أنّه عدوّ لا مهرب له منه وجزم بذلك فإنّه يقف على قباله حتّى يهزمه فهزيمة الشيطان بعزيمة الإنسان على الثبات في طاعة اللَّه والإعمال على العبادة .
ثمّ بيّن سبحانه حال حزب الشيطان وحال حزب اللَّه فقال : * ( [ الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ ] ) * جزاء على كفرهم * ( [ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ ] ) * من اللَّه لذنوبهم * ( [ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ] ) * أي ثواب عظيم .
ثمّ قال سبحانه على سبيل الإنكار مقرّرا لهم * ( [ أَفَمَنْ زُيِّنَ لَه ُ سُوءُ عَمَلِه ِ فَرَآه ُ حَسَناً ] ) * يعني الكفّار زيّنت لهم نفوسهم ومشتهياتهم أعمالهم السيّئة فتصوّروها حسنة أو زيّنه الشيطان لهم بأن أمالهم إلى الشبه المضلَّة وتركوا النظر في الأدلَّة وأغواهم حتّى تشاغلوا بما فيه عاجل اللَّذّة وجواب الاستفهام محذوف أي أهو كمن علم الحسن والقبيح ولم يزيّن له سوء عمله وقيل : تقديره : كمن هداه اللَّه وزيّن له صالح عمله والآية تقرير لبيان التباين بين حال الفريقين .
قوله : * ( [ فَإِنَّ اللَّه َ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ ] ) * لاستحسانهم واستحبابهم الضلالة على الهدى وبسوء اختياره اقتضى العذاب فردّه إلى أسفل السافلين * ( [ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ ] ) * بصرف اختيارهم إلى الهداية فيرفعه إلى أعلى علَّيّين .
قوله : * ( [ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ ] ) * أي لا تهلك نفسك يا محمّد عليهم حسرة ولا يغمّك حالهم إذا كفروا واستحقّوا العذاب وهو كقوله : « لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ » والحسرة شدّة الحزن على ما فات من الأمر * ( [ إِنَّ اللَّه َ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ ] ) * فيجازيهم على صنيعهم .
قوله : * ( [ وَاللَّه ُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً ] ) * ثمّ عاد سبحانه إلى ذكر أدلَّة التوحيد وشواهد القدرة وذلك أنّ هبوب الرياح دليل ظاهر على الفاعل المختار لأنّ الهواء قد يسكن وقد يتحرّك ويتموّج وعند حركته قد يتحرّك إلى اليمين وإلى اليسار وفي حركاته المختلفة قد ينشئ السحاب وقد لا ينشئ وهذه الاختلافات من طبيعة واحدة دليل على مسخّر ومدبّر حيث تختلف آثارها وأتى الإرسال بلفظ الماضي والإثارة بلفظ
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 39
مساهمون: مير سيد علي الحائري الطهراني
ص٣٩