أي مهما يأتهم ويفتح اللَّه للناس من خير ومطر وعافية أو أيّ نعمة شاء فإنّ أحدا لا يقدر على إمساكه * ( [ وَما يُمْسِكْ ] ) * من ذلك * ( [ فَلا مُرْسِلَ لَه ُ مِنْ بَعْدِه ِ ] ) * أي إنّ أحدا لا يقدر على إرساله .
وقيل : معنى الآية : ما يرسل اللَّه من رسول إلى عباده في وقت دون وقت فلا مانع له لأنّ إرسال الرسول رحمة من اللَّه ولولا ناموس الشريعة في الناس لانجرّ الأمر في الخلق إلى النفاق والهلاك .
أقول : وقد وجدت في بعض كلمات أفلاطون الحكيم أنّ إرسال الرسل وبيان الناموس للخلق من أعظم النعم وإنّه من موجبات البقاء ولولاه لآل أمورهم إلى الفناء والاضمحلال .
* ( [ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ] ) * الغالب في أمره لا يعجز الحكيم في أفعاله إن أمسك أو أنعم بما يقتضيه حكمته .
ثمّ خاطب المؤمنين فقال : * ( [ يا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّه ِ عَلَيْكُمْ ] ) * الظاهرة والباطنة الَّتي من جملتها أنّه خلقكم وأوجدكم وأقدركم وخلق لكم أنواع الملاذّ والمنافع والنعم مع كثرتها منحصرة في قسمين : نعمة الإيجاد ونعمة الإبقاء فقال : * ( [ هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّه ِ ] ) * إشارة إلى نعمة الإيجاد في الابتداء وقال : * ( [ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالأَرْضِ ] ) * إشارة إلى نعمة الإبقاء بالرزق إلى الانتهاء وهذا الكلام استفهام تقريريّ ومعناه النفي ليقرّوا بأنّه لا خالق إلا اللَّه ولا رازق للعباد غيره مثل أن يرزق من السماء بالمطر ومن الأرض بالنبات .
* ( [ لا إِله َ إِلَّا هُوَ ] ) * وليس معبود يستحقّ العباد سواه * ( [ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ] ) * أي كيف تصرفون عن طريق الحقّ إلى الضلال وتقلبون الأمر وتعكسون هذه الأدلَّة مع وضوحها ؟
ثمّ سلَّى نبيّه عن تكذيب قومه إيّاه فقال : * ( [ وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّه ِ تُرْجَعُ الأُمُورُ ] ) * فيجازي من كذّب رسله وينصر من صدّقهم .
ثمّ خاطب الخلق فقال : * ( [ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّه ِ ] ) * من الجنّة والنار والبعث والنشور والجزاء والحساب * ( [ حَقٌّ ] ) * وصدق كائن لا محالة * ( [ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا ] ) *
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 37
مساهمون: مير سيد علي الحائري الطهراني
ص٣٧