تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 256

مساهمون:

ص٢٥٦
* ( صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ] ) * قيل : إنّ موسى عليه السّلام كان يعدهم بالنجاة إن آمنوا وبالهلاك إن كفروا ولذا قال : « يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ » لأنّهم إذا كانوا على أحد الحالين نالهم أحد الأمرين وذلك بعض الأمر لا كلَّه . وقيل : استعمل البعض في موضع الكلّ تلطَّفا في الخطاب وتوسّعا في الكلام والمراد الكلّ قال الشاعر :
قد يدرك المتأنّي بعض حاجته وقد يكون من المستعجل الزلل
وكأنّه قال : إن يك صادقا أقلّ ما فيه أن يصبكم بعض الَّذي يعدكم وفي ذلك البعض هلاككم قال عليّ بن عيسى إنّما قال : « بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ » على المظاهرة في الحجاج أي إنّه يكفيكم بعضه فكيف بجميعه ؟ فإن قيل : إنّه كان من الواجب أن يقال : وإن يك صادقا يصبكم كلّ الَّذي يعدكم الَّذي لأنّ الَّذي يصيب في بعض ما يعدهم أصحاب الكهانة والنجوم أمّا الرسول الصادق الَّذي لا يتكلَّم إلَّا بالوحي وهو صادق في كلّ ما يقول . فالجواب هو الجواب الَّذي ذكرنا والمراد أنّه لا حاجة بكم في دفع شرّه إلى القتل بل يكفيكم أن تعرضوا عن مقالته وتتركوا قتله فإن كان كاذبا فحينئذ لا يعود ضرره إلَّا إليه وإن كان صادقا انتفعتم به . وفيه بيان ووجه آخر وهو أنّه عليه السّلام كان يتوعّدهم بعذاب الدنيا وبعذاب الآخرة فإذا وصل إليهم في الدنيا عذاب الدنيا فقد أصابهم بعض الَّذي يعدهم انتهى . * ( [ إِنَّ اللَّه َ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ] ) * يجوز أن يكون هذا حكاية عن قول المؤمن ويجوز أن يكون ابتداء كلام من اللَّه وفي الكلام بيان أنّ ما هم فيه من الملك والنعمة يقتضي الشكر للَّه والإيمان به ولا يهدي اللَّه إلى جنّته وثوابه من هو مسرف على نفسه ومجاوز عن الحدّ في المعصية كذّاب على ربّه . ثمّ قال المؤمن : * ( [ يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّه ِ إِنْ جاءَنا ] ) * لمّا بيّن المؤمن لهم أنّه لا يجوز الإقدام على قتل موسى ولا يجوز التكذيب على اللَّه بادّعاء الإلهيّة خوّفهم بعذاب اللَّه وبأسه فقال : أنتم اليوم قد علوتم الناس ولكم السلطنة في أرض مصر وما والاها فلا تفسدوا أمركم ولا تتعرّضوا لبأس اللَّه