من شدّة الخوف وقيل : يوم الآزفة يوم حضور الموت والَّذي يدلّ على هذا المعنى أنّه تعالى وصف القيامة بأنّه يوم التلاق ويوم هم بارزون ثمّ قال : بعده « وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ » فوصف يوم الموت بالقرب أولى من وصف يوم القيامة بالقرب وأيضا الصفات المذكورة بعد قوله ، « يَوْمَ الآزِفَةِ » لائقة بيوم حضور الموت .
واختلفوا في أنّ المراد من قوله : « إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ » كناية من شدّة الخوف أو هو محمول على ظاهره ؟ قيل : كناية عن شدّة الخوف وقيل : بل هو محمول على ظاهره والقلوب تنتزع من مواضعها بسبب شدّة الخوف ويبلغ الحناجر حقيقة فلا تخرج فيموتوا ولا ترجع إلى مواضعها فيتنفّسوا وقوله : « كاظِمِينَ » أي مكروبين والكاظم الساكت حال امتلائه غمّا وغيظا وهو حال عن أصحاب القلوب والقلوب كاظمة على غمّ وكرب مع بلوغها موضع الحنجرة . وأتى بلفظ جمع السلامة لأنّه وصف القلوب بالكظم الَّذي هو من أفعال العقلاء كما قال : « رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ » « 1 » وقال : « فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ » « 2 » .
قوله تعالى : * ( [ ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ ] ) * فبيّن سبحانه أنّه ليس لهم قريب ينفعهم ولا شفيع يطاع فيهم فنقبل شفاعته .
وهاهنا بحث وهو أنّ أكثر المعتزلة احتجّوا بهذه الآية في نفي الشفاعة على المذنبين . وأجاب أهل الجماعة بوجوه :
الأوّل أنّه تعالى نفى أن يحصل لهم شفيع يطاع وهذا لا يدلّ على نفي الشفيع ألا ترى أنّك إذا قلت : ما عندي كتاب يباع فهذا يقتضي نفي كتاب يباع ولا يقتضي نفي الكتاب ولفظ الطاعة يقتضي حصول المرتبة فهذا يدلّ على أنّه ليس لهم يوم القيامة شفيع يطيعه اللَّه ومعلوم أنّه ليس في الوجود أحد أعلى حالا من اللَّه حتّى يقال : إنّ اللَّه يطيعه .
هامش
( 1 ) يوسف : 4 .
( 2 ) الشعراء : 4 .