على العبادة * ( [ وَالأَبْصارِ ] ) * الفقه والبصيرة في الدين وحاصل المعنى اولي العلم والعمل « فالأيدي » العمل و « الأبصار » العلم أو المراد من الأيدي النعم على عباد اللَّه بالدعوة إلى الدين والمراد بالأبصار جمع البصر وهو العقل .
قوله : * ( [ إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ ] ) * أي جعلناهم لنا خالصين بأن خلصت لهم ذكرى الدار وهو أنّهم يتذكّرونها بالتأهّب للآخرة ويزهدون في الدنيا كما هو عادة الأنبياء وقيل : المراد « بالدار » الدنيا فحينئذ المراد : أبقيت لهم الذكر الجميل في الدنيا .
وقرئ « بِخالِصَةٍ » منوّنة ومضافة فمن نوّن كان التقدير : جعلناهم خالصين بسبب خصلة خالصة لا شوب فيها وهي « ذِكْرَى الدَّارِ » ومن قرأ مضافة فالمعنى : بما خلص من « ذِكْرَى الدَّارِ » يعني أنّ ذكر الدار قد تكون للَّه وقد تكون لغيره وهم ذكرهم خالصة للَّه علما وعملا كصبر إبراهيم حين القي في النار في طاعة اللَّه عملا ويقينه حيث ما راجع أمره إلى غير اللَّه حتّى جبرئيل ، علما وصبر إسماعيل للذبح وصبر يعقوب حين فقد ولده وذهب بصره .
واعلم أنّ النفس الناطقة الإنسانيّة لها قوّتان عاملة وعالمة فالقوّة العاملة فأشرف ما يصدر عنها طاعة اللَّه وقد صدر منهم وأمّا القوّة العالمة فأشرف ما يصدر عنها معرفة اللَّه واليقين به فقوله : « أُولِي الأَيْدِي وَالأَبْصارِ » إشارة إلى هاتين الحالتين .
ثمّ قال تعالى : * ( [ وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيارِ ] ) * أي هم المختارين من أبناء جنسهم واصطفوا للنبوّة وتحمّل أعباء الرسالة و « الأخيار » جمع خيّر أو خير مخفّفة كأموات وميّت وميت وهو الَّذي يفعل الأفعال الكثيرة الحسنة واحتجّ العلماء بهذه الآية في إثبات عصمة الأنبياء لأنّه تعالى حكم عليهم بكونهم أخيارا على الإطلاق وهو يعمّ حصول الخيريّة في جميع الأفعال والصفات .
قوله تعالى : * ( [ وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ ] ) * أي واذكر لأمّتك هؤلاء المذكورين أيضا ليقتدوا بهم ويسلكوا طريقتهم وهم قوم آخرون من الأنبياء تحمّلوا الشدائد في دين اللَّه وفصّل ذكر إسماعيل عن ذكر أبيه وأخيه للإشعار بعراقته في الصبر واليسع هو ابن أخطوب بن العجور استخلفه إلياس على بني إسرائيل ثمّ صار نبيّا
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 178
مساهمون: مير سيد علي الحائري الطهراني
ص١٧٨