تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥
فحلف باللَّه لئن عافاه اللَّه ليجلَّدنّها مائة جلدة وعند هذه الواقعة قال : « أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ » فأجاب اللَّه دعاءه وأوحى إليه أن * ( [ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ ] ) * أي ادفع برجلك الأرض * ( [ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ ] ) * وفي الكلام حذف وتقديره فركض رجله فنبعت بركضته عين ماء وقيل : نبعت عينان فاغتسل من أحدهما فبرأ وشرب من الأخرى فروي . والمغتسل الموضع الَّذي يغتسل منه فلمّا اغتسل منها أذهب اللَّه عنه كلّ داء في ظاهره وباطنه وردّ عليه أهله وماله . والقول الثاني وهو أنّ الشيطان لا قدرة له البتّة على إيقاع الناس في الأمراض والآلام لأنّا لو جوّزنا حصول الموت والحياة والصحّة والمرض من الشيطان فلعلّ الواحد منّا إنّما وجد الحياة بفعل الشيطان ولعلّ ما حصل عندنا من الخيرات فقد حصل بفعل الشيطان وحينئذ لا يكون لنا سبيل إلى أن نعرف أنّ معطي الحياة والموت والصحّة والسقم هو اللَّه الثاني أنّ الشيطان لو قدر على ذلك فلم لا يسعى في قتل الأنبياء والأولياء ولم لا يخرب دورهم ؟ الثالث أنّه تعالى حكى عن الشيطان أنّه قال : « ما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي » « 1 » فصرّح سبحانه بأنّه لا قدرة له في حقّ البشر إلَّا على إلقاء الوسوسة والخواطر الفاسدة وذلك يدلّ على فساد قول من قال : إنّ الشيطان هو الَّذي ألقاه في تلك الأمراض بنفخته . فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال إنّ الفاعل لهذه الأفعال هو اللَّه لكن على وفق التماس الشيطان ؟ قلنا : فإذا كان لا بدّ من الاعتراف بأنّ خالق تلك الآلام والأسقام هو اللَّه فأيّ فائدة في جعل الشيطان واسطة في ذلك بل الحقّ أنّ المراد من قوله : « أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ » أنّه بسبب إلقاء الوساوس الفاسدة ويمكن أنّه لمّا طالت مدّة المرض وعلَّته كانت شديدة الألم ثمّ تنفّر الناس عنه وعن مجاورته وأخرجوه من البلدة ومنعوا امرأته من الدخول عليهم ومن الاشتغال بخدمتهم لأجل تحصيل القوت فلمّا قويت تلك الوساوس في قلبه تضرّع إلى اللَّه وقال : « أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ » وشقّ على ذلك فتضرّع إلى اللَّه .
هامش
( 1 ) إبراهيم : 22 .