تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢
فلو قيل : إنّ هذا الدعاء من سليمان يقتضي الضنّة والمنافسة لأنّه عليه السّلام لم يرض بأن يسأل الملك حتّى أضاف إلى ذلك أن يمنع غيره منه . فالجواب أنّ الأنبياء لا يسألون إلَّا ما يؤذن لهم في مسألته ولعلّ أن أعلمه أنّه إن سأل ملكا لا يكون لغيره كان أصلح له من غيره وأعلمه أنّه لا صلاح لغيره في ذلك كما أنّ أحدنا لو صرّح في دعائه بهذا الشرط فيقول : اللَّهم اجعلني أكثر أهل زماني مالا إذا علمت أنّ ذلك أصلح لي لكان ذلك منه حسنا جائزا ولا ينسب في ذلك إلى شحّ وبخل أو المعنى لا يقدر أحد على معارضته أو أنّه لمّا مرض ثمّ عاد إلى الصحّة عرف أنّ الدنيا صائرة إلى غيره فسأل ربّه ملكا لا يمكن أن ينتقل منه إلى غيره وهو ملك الآخرة . وثانيها أنّه يجوز أن يكون التمس من اللَّه آية لنبوّته يتبيّن بها من غيره وأراد بقوله : « لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ » غيري ممّن أنا مبعوث إليه ولم يرد من بعده إلى يوم القيامة من النبيّين كما يقال : أنا لا أطيع أحدا بعدك أي لا أطيع أحدا سواك . وثالثها ما قال المرتضى : إنّه يجوز أن يكون سأل ملك الآخرة وثواب الجنّة ويكون معنى قوله : « لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي » لا يستحقّه بعد وصولي إليه أحد . ورابعها أنّه التمس معجزة يختصّ بها كما أنّ موسى اختصّ بالعصا واليد واختصّ الصالح بالناقة ومحمّد صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم بالمعراج والقرآن ويدلّ على هذا المعنى ما روي مرفوعا عن النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم أنّه صلَّى صلاة فقال : إنّ الشيطان عرض لي ليفسد عليّ الصلاة فأمكني اللَّه منه فدفعته ولقد هممت أن أوثقه إلى سارية حتّى تصبحوا وتنظروا إليه أجمعين فذكرت قول سليمان : « ربّ * ( هَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي » فردّه اللَّه خائبا خاسئا أورده البخاريّ ومسلم في الصحيحين . ثمّ بيّن سبحانه أنّه أجاب دعاءه بقوله : * ( [ فَسَخَّرْنا لَه ُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِه ِ رُخاءً ] ) * أي ريحا ليّنة طيّبة مطيعة تجري إلى حيث يشاء سليمان * ( [ حَيْثُ أَصابَ ] ) * أي حيث أراد سليمان من النواحي ومنقادة له كيف أراد قيل : كان يغدو سليمان بإيليا ويقيل بقزوين ويبيت بكابل فإن قيل : كيف وصف سبحانه الريح بالعاصف في قوله : « وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 172 | مير سيد علي الحائري الطهراني