ممّن أفاض اللَّه عليه أصناف النعماء وأيّوب كان ممّن خصّه اللَّه تعالى بأنواع البلاء والمقصود من هذه الآيات الاعتبار : كأنّ اللَّه يقول لمحمّد صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : اصبر على سفاهة قومك فإنّه ما كان في الدنيا أكثر نعمة ومالا وجاها من داود وسليمان وما كان أكثر بلاء ومحنة من أيّوب فتأمّل في أحوال هؤلاء لتعرف أنّ أحوال الدنيا لا تنتظم لأحد والعاقل لا بدّ له من الصبر على المكاره والمعنى أنّ نداء أيّوب حكاية عن هذا القول ب : « أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ » بضمّ النون وفتحها مع سكون الصاد وفتحها وضمّها وهو التعب والمشقّة والعذاب والألم وكان قد حصل عنده نوعان من المكروه الغمّ الشديد بسبب زوال الخيرات وأيضا الألم الشديد في الجسم ولمّا حصل هذان النوعان لا جرم ذكر اللَّه تعالى لفظين .
وللناس في هذا الموضع قولان : الأوّل أنّ الآلام والأسقام الحاصلة في جسمه إنّما حصلت بفعل الشيطان ، الثاني أنّها إنّما حصلت بفعل اللَّه والعذاب المضاف في الآية إلى الشيطان هو عذاب الوسوسة .
فأمّا القول الأوّل فتقريره ما روي أنّ الشيطان اللعين سأل ربّه فقال : هل في عبيدك من لو سلَّطني عليه يمتنع منّي فقال اللَّه : نعم عبدي أيّوب فجعل يأتيه بوساوسه وهو يرى إبليس عيانا ولا يلتفت إليه فقال إبليس : يا ربّ قد امتنع فسلَّطني على ماله وكان يجيئه ويقول : له هلك من مالك كذا وكذا فيقول : اللَّه أعطى واللَّه أخذ ثمّ يحمد اللَّه فقال إبليس : يا ربّ إنّ أيّوب لا يبالي بماله فسلَّطني على ولده فجاء وزلزل الدار فهلك أولاده بالكلَّيّة فجاءه وأخبره به فلم يلتفت إليه فقال : يا ربّ لا يبالي بما له وولده فسلَّطني على جسده فأذن فيه فنفخ في جلد أيّوب وحدثت أسقام عظيمة وآلاء شديدة فيه من نفسه من نار السموم فمكث في ذلك البلاء سنين ثمّ وسوس الشيطان إلى أهل البلدة أن أخرجوه من بلدتكم فخرج إلى الصحراء وما كان يقرب منه أحد .
ثمّ جاء الشيطان إلى امرأته وقال : لو أنّ زوجك استعان بي لخلَّصته من هذا البلاء قال ابن عبّاس : إنّ إبليس تصوّر لها بصورة طبيب وقال لها : أنا أداوي أيّوب على أنّه إذا برئ قال : أنت شفيتني لا أريد جزاء سواه قالت : نعم فذكرت المرأة ذلك لأيّوب
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 174
مساهمون: مير سيد علي الحائري الطهراني
ص١٧٤