ثمّ وصف المؤمنين فقال سبحانه : * ( [ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ] ) * بحدودها وواجباتها وأوقاتها * ( [ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ ] ) * ويخرجون ما يجب عليهم من أموالهم إلى من يستحقّها * ( [ وهُمْ بِالآخِرَةِ ] ) * بالنشأة الآخرة والبعث والجزاء * ( [ هُمْ يُوقِنُونَ ] ) * ولا يشكّون ، فيه وتكرار الضمير لأنّ الجملة اعتراضيّة كأنّه قيل : وهؤلاء الموصوفون بهذه الصفات من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والإتيان بالأعمال الصالحة هم الموقنون بالآخرة هم المؤمنون حقّ الإيمان ومهتدون بالقرآن .
ثمّ وصف من خالفهم قال سبحانه : * ( [ إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ ] ) * اختلف في معناه فقيل : المراد : إنّا زيّنّا لهم أعمالهم بأن جعلناها محبوبة لأنفسهم فهم يعمهون عنها ويتحيّرون عنها ولا يدركون ما يتبعها أي زيّنّا أعمالهم الَّتي أمرناهم بها بأحسن الوجوه والترغيب فهم يتحيّرون بالذهاب عنها ، عن الحسن والجبّائيّ وأبي مسلم . وقيل : معناه : زيّنا لهم أعمالهم بأن خلقنا فيهم شهوته القبيحة الداعية إلى فعل المعاصي ليجتنبوا المشتهي فهم عن هذا المعنى يعمهون ويتردّدون في الحيرة . وقيل : معناه :
حرمناهم التوفيق عقوبة على كفرهم فتزيّنت أعمالهم في أعينهم وحليت في صدورهم .
* ( [ أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ ] ) * وشدّته وصعوبته * ( [ وهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ ] ) * أي لا أحد أخسر صفقة منهم لأنّهم يخسرون الثواب ويحصل لهم بدلا منه العقاب .
* ( [ وإِنَّكَ ] ) * يا محمّد * ( [ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ ] ) * أي لتعطى * ( [ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ ] ) * في أمره * ( [ عَلِيمٍ ] ) * بمصالح خلقه ، وقوله « عليم » مبالغة في أنّه عالم ويفيد أنّه متى يصحّ معلوم فهو عالم كما أنّ سميعا يفيد أنّه متى وجد مسموع فهو سامع له .
قوله : * ( [ إِذْ قالَ مُوسى لأَهْلِه ] ) * أي اذكر قصّة موسى حين قال لامرأته وهي بنت شعيب : * ( [ إِنِّي آنَسْتُ ناراً ] ) * أي أبصرت وأحسست نارا ، ومنه اشتقاق الإنس لأنّ المأنوس به مرئيّ * ( [ سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ ] ) * أي ألزموا مكانكم لعلَّي آتيكم من هذه النار بخبر الطريق لأنّهم كانوا ضلَّوا الطريق وكانت ليلة شاتية باردة مظلمة * ( [ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ ] ) * وقبس النار المقبوسة أي بشعلة من النار ، والشهاب نور كالعمود من النار وكلّ نور يمتدّ مثل العمود يسمّى شهابا ، وإنّما قال لامرأته : آتيكم على لفظ خطاب الجمع أقامها
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 79
مساهمون: مير سيد علي الحائري الطهراني
ص٧٩