تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
يسعى إليه ويرعى . فالجواب بأنّ اللَّه يرزقها من ثلاثة أوجه : نظرا إلى الرزق وإلى المرتزق وإلى مجموع الرزق والمرتزق أمّا بالنظر إلى الرزق فلأنّ اللَّه لو لم يخلق النبات لم يكن للحيوان رزق وأمّا بالنظر إلى المرتزق فلأنّ الاغتذاء ليس بمجرّد الابتلاع بل لا بدّ من تشبّثه بالأعضاء حتّى يصير الحشيش عظما ولحما ودما وما ذاك إلَّا بحكمة اللَّه تعالى حيث خلق فيه جاذبة وما سكة وهاضمة ودافعة وغيرها من القوى وذلك لمحض قدرة اللَّه فهو الَّذي يرزقها وأمّا بالنظر إلى المرتزق والرزق فلأنّ اللَّه لو لم يهد الحيوان إلى الغذاء ليعرفه من الشمّ ما كان يحصل له الغذاء ألا ترى أنّ من الحيوان ما لا يعرف نوعا من أنواع الغذاء حتّى يوضع في فمه بالشدّة ليذوق فيأكله بعد ذلك فإنّ كثيرا ما يكون البعير لا يعرف الخمير ولا الشعير حتّى يلقم مرّتين أو ثلاثا فيعرفه فيأكله بعد ذلك . فإن قيل : كيف يصحّ قياس الإنسان على الحيوان فيما يوجب التوكّل والحيوان رزقه لا يتعرّض إليه إذا أكل منه اليوم شيئا وترك بقيّة يجدها غدا ما مدّ إليه أحد يدا والإنسان إن لم يأخذ اليوم لا يبقى له غدا شيئا . وأيضا حاجات الإنسان كثيرة فإنّه يحتاج إلى أجناس اللباس وأنواع الأطعمة وليس كذلك الحيوان ، وأيضا قوت الحيوان مهيّأ وقوت الإنسان يحتاج إلى تكلَّف كالزرع والحصاد والطحن والخبز فلو لم يجمعه قبل الحاجة ويهيّأه ما كان يجده وقت الحاجة . فالجواب أنّه إذا كان حاجات الإنسان كثيرة فمكاسبه أيضا كثيرة فإنّه يكتسب بيده كالخيّاط والنسّاج وبرجله كالساعي وبعينه كالناطور وبلسانه كالحادي والمنادي وبفهمه كالمهندس والتاجر وبعلمه كالفقيه والطبيب ثمّ الأكمل من الكلّ الإدراك الكلَّيّ والحيوان ليس له شيء من هذه الأمور فالإنسان مع هذه الأسباب أولى بالتوكّل ثمّ إنّ اللَّه ملَّك الإنسان عمائر الدنيا وجعلها تدخل في ملكه شاء أم أبى حتّى أنّ نتاج الأنعام وثمار الأشجار تدخل في ملكه وإن لم يرده مالك الأنعام والأشجار وإذا مات قرن ينتقل ذلك إلى قرن آخر شاؤوا أم أبوا وليس كذلك الحيوان أصلا فإذا الإنسان لو توكّل أقرب للعقل .