تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 195

مساهمون:

ص١٩٥
ثمّ خوّفهم بالموت ليهوّن عليهم الهجرة فقال سبحانه : * ( [ كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ] ) * يعني كلّ نفس أحياها اللَّه بحياة خلقها فيه ذائقة مرارة الموت بأيّ أرض كانت فلا تقيموا بدار الشرك خوفا من الموت في غيرها * ( [ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ ] ) * بعد الموت . ثمّ ذكر سبحانه ثواب من حفظ إيمانه وهاجر فقال : * ( [ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ] ) * يعني المؤمنين المهاجرين * ( [ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ ] ) * أي لننزلنّهم * ( [ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً ] ) * أي أماكن عاليات وغرف الدرّ والزبرجد والياقوت * ( [ تَجْرِي ] ) * من تحت تلك الغرف * ( [ الأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ] ) * مؤبّدين ببقاء اللَّه * ( [ نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ ] ) * أجورهم للَّه تلك الغرف كما أنّ بئس للكافرين تغشى الكافرين من فوقهم ومن تحت أرجلهم . ثمّ وصف المؤمنين فقال : * ( [ الَّذِينَ صَبَرُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ] ) * لم يتركوا دينهم لشدّة تنالهم وأذى يلحقهم وصبروا في مشقّة الطاعات وهم متوكّلون على اللَّه في مهمّات أمورهم ومهاجرة دورهم . قوله تعالى : * ( [ وكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا ] ) * لمّا ذكر سبحانه حال المتوكّلين أي وكم من دابّة لا يكون رزقها مدّخرا معدّا ومع ذلك فاللَّه يرزقها وهي لا تدخّر القوت لغدها إلَّا قليلا من الدوابّ كالنملة والفارة وابن آدم وباقي الحيوانات تأكل بقدر كفايتها فقط . « وكأيّن » إذا كانت بمعنى « كم » لا تستعمل مع « من » إلَّا نادرا وفي « كأيّن » لغات : كائن على وزن راع وعلى أوزان آخر وهي مركّبة من كاف التشبيه وأيّ الَّتي تستعمل استعمال « من » و « ما » ركّبتا وجعل المركّب بمعني « كم » ولم تكتب إلَّا بالنون للفرق بين « كأيّن » بمعنى « كم » الَّتي هي المركّبة وبين « كايّ » الَّتي ليست مركّبة والَّتي غير مركّبة لا يجوز إدخال من بعدها . وبالجملة فمعنى الآية على هذا البيان أنّ الحيوان مع عدم إدراكها الكلَّيّ إذا كان لا يدّخر شيئا لقوتها فالإنسان المتوكّل العارف أولى بأن لا يحرص ويدّخر فكما أنّ اللَّه يرزقه كذلك يرزقكم فتوكّلوا . فإن قال قائل : من يقول بأنّ اللَّه يرزق الدوابّ من النبات في الصحراء ينبت