إنّ الَّذين يعترفون بالآخرة ويعملون لها ، وفسّر بعض الرجاء في الآية بمعنى الخوف والمراد من قوله « أجل اللَّه » الموت أو الحياة الثانية بالحشر ولعلّ المراد من ذكر إتيان الأجل وقوع وعد المطيع من الثواب ووعيد العاصي من العقاب وحاصل المعنى : من كان يرجو الثواب ويخشى البعث والحساب فليبادر بالطاعة قبل الأجل فإنّه لآت لا محالة .
واعلم أنّ أكثر آيات القرآن لا ينفصل عن ذكر الأصول كما أنّ في هذه الآيات قد ذكر الأصول الثلاثة : والأوّل الإيمان بوحدانيّته كما بيّن « أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا » وفيه إشارة إلى الأصل الأوّل والأصل الثاني وهو إرسال الرسل والنبوّات وتصديقهم ، كما أشار بقوله : « أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ » بالأصل الثاني وأشار بأصل الثالث في قوله : « مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّه » .
أمّا قوله : « وهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ » ولم يذكر في المقام صفة غيرهما لأنّه قد سبق في الآية ذكر القول بقوله « أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا » وسبق ذكر الفعل بقوله : « لا يُفْتَنُونَ » ومناسبة الإدراك في القول السّمع وفي العمل العلم فقال : وهو السّميع لأقوالهم والعليم بأفعالهم وأصناف حسنات العبد ثلاثة : أحدها نيّته وقلبه في التصديق وهو لا يرى ولا يسمع وإنّما يعلم ، والثاني عمل لسانه وهو يسمع وعمل أعضائه وجوارحه وهو يرى فإذا أتى العبد بهذه الأمور الثلاثة جعل لمسموعه ما لا اذن سمعت ولمرئيّه ما لا عين رأت ولعمل قلبه ما لا خطر على قلب بشر ، كما ذكر في الحديث في وصف الجنّة .
وبالجملة [ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 6 ] ومَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِه إِنَّ اللَّه لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ ( 6 )
ولمّا بيّن سبحانه أنّ التكليف واقع وعليه وعد ووعيد ليس لهما دافع بيّن أن طلب اللَّه ذلك من المكلَّف ليس لنفع يعود إليه سبحانه فإنّه غنيّ مطلق فمن سعى في تكليف فقد سعى لنفسه وطلب أمرا يرجع نفعه إلى نفسه فليكن الإنسان دأبه أن يجاهد الشيطان بمخالفته ويدفع وسوسته عن نفسه وإغوائه ويجاهد أعداء الدين لإحيائه ويجاهد مع نفسه في شهواتها وكل ذلك نفع وفائدة للمكلَّف واللَّه غنيّ عن جميع العوالم وأهلها والآية تدلّ على أنّه ليس في مكان لا على العرش ولا على غيره فإنّه من العالم وهو غنيّ عنه .