ويستصغر العيوب ويستكثر الذنوب فيصير محروما ويلحق بأهل العناد مرجوما . والحاصل أنّ الإنسان بمجرّد قوله « آمنت » غير متروك ولا بدّ أن يفتن .
قوله : * ( [ ولَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّه الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ ] ) * ثمّ أقسم سبحانه فقال : ولقد ابتلينا الَّذين من قبل امّة محمّد صلَّى اللَّه عليه وآله من سالف الأمم بالفرائض الَّتي فرضناها عليهم وبالشدائد والمصائب مثل إبراهيم خليل الرحمن وقوم كانوا معه ومن بعد إبراهيم نشروا بالمناشير على دين اللَّه فلم يرجعوا عنه ومثل قوم بني إسرائيل ابتلوا بفرعون يسومونهم سوء العذاب .
« فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّه » أي ليميّزنّ اللَّه الَّذين صدقوا من الَّذين كذّبوا بالجزاء والمكافاة وعبّر عن الجزاء والتميّز بالعلم وأقام السبب مقام المسبّب والملزوم مقام اللَّازم ومثله من إقامة السبب مقام المسبب قوله تعالى « كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ » « 1 » فهذا سبب قضاء الحاجة فكنّى بذكره عنها والفائدة في اختلاف الصيغة بالماضي في صدقوا وبالفاعل في الكاذبين أنّ اسم الفاعل يدلّ على الثبوت والاستمرار والفعل لا يدلّ على الاستمرار لأنّه لا يفهم من معنى الفعل التكرار كما يقال : فلان شرب الخمر وشارب الخمر ، ولمّا كانت الآية وقت نزولها حكاية عن قوم قريبي العهد في الإسلام وعن قوم مستديمي الكفر مستمرّين عليه فلهذه العلَّة قال سبحانه في حقّ المؤمنين الَّذين صدقوا بصيغة الفعل أي وجد منهم الصدق وقال في حقّ الكافر بالصيغة الفاعل المنبئة عن الثبوت .
وأمّا قوله * ( [ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ ] ) * « أم » هذا استفهام منقطع عمّا قبله وليست الَّتي معادلة الهمزة والمعنى : بل أحسب الَّذين يفعلون الكفر والقبائح أن يفوتونا ويعجزونا فلا نقدر على أخذهم والانتقام منهم بئس الأمر الَّذي يحكمون ويعتقدون ، وحاصل المعنى : أنّ من امتحن بأمر وكلَّف ولم يأت به إن لم يعذّب في الحال يعذّب في الاستقبال ولا يفوتنا عذابه ولا يتخيّلون أنّ الإمهال يفضي إلى الإهمال والتعجيل في العقوبة شغل من يخاف الفوت .
قوله : * ( [ مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّه فَإِنَّ أَجَلَ اللَّه لآتٍ وهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ] ) * وبالعكس
هامش
( 1 ) الزمر : 68 .