فنبّه سبحانه بأنّ اللَّيل والنهار نعمتان يتعاقبان لأنّ الإنسان لا بدّ وأن يتعب لتحصيل ما يحتاج إليه ولا يتمّ له ذلك لولا ضوء النهار والاجتماعات ليتمكّن الإنسان من المعاملات وأيضا لا يتمّ هذا الأمر لولا الراحة والسكون باللَّيل فلا بدّ منهما فقال :
* ( [ أَرَأَيْتُمْ ] ) * إذا بقي اللَّيل من غير النهار من * ( [ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ ] ) * ونهار ولا قادر على ذلك إلَّا اللَّه * ( [ أَفَلا تَسْمَعُونَ ] ) * ما بيّنه لكم من الأدلَّة على التوحيد وتتفكّرون فيه ، وكذلك * ( [ إِنْ جَعَلَ اللَّه ] ) * النهار من غير ليل تسكنون فيه للراحة ويكون دائما النهار من غير ليل من * ( [ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ ] ) * تستريحون فيه من النصب والحركة غير اللَّه * ( [ أَفَلا تُبْصِرُونَ ] ) * وتتبصّرون من البصيرة أو من المشاهدة فتعلموا أنّهما من صنيع مدبّر حكيم .
ثمّ قال : * ( [ ومِنْ رَحْمَتِه جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيه ولِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِه ولَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ] ) * أي ومن رحمته وإحسانه إليكم جعل اللَّيل للسكونة والراحة والنهار لابتغاء المعاش والكسب والفضل * ( [ ولَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ] ) * من نعم اللَّه عليكم وتعرفون حقّه * ( [ ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ] ) * مضى تفسيره كرارا وإنّما كرّر ذكر النداء للمشركين بأين شركائي تقريعا لهم بعد تقريع ، أو أنّ النداء الأوّل في الآية السابقة لتقرير إقرارهم على أنفسهم بالغيّ والثاني للتعجيز عن إقامة البرهان بحضرة الأشهاد .
* ( [ ونَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ] ) * أي وأخرجنا من كلّ امّة من الأمم رسولها الَّذي يشهد عليهم بالتبليغ وبما كان صدر منهم وهم عدول الآخرة ولا يخلو كلّ زمان منهم يشهدون على الناس بما علموا ليكون ذلك زائدا في غمّهم ، والشهداء الَّذين يشهدون يعمّ الأنبياء والمؤمنين في أيّام الفترات فعلم الكفّار حينئذ * ( [ أَنَّ الْحَقَّ لِلَّه وضَلَّ ] ) * وغاب وضاع مفترياتهم من الباطل والكذب .
قوله تعالى :
[ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 76 إلى 82 ] إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وآتَيْناه مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَه لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قالَ لَه قَوْمُه لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّه لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ( 76 ) وابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّه الدَّارَ الآخِرَةَ ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّه إِلَيْكَ ولا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّه لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ( 77 ) قالَ إِنَّما أُوتِيتُه عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أَولَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّه قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِه مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْه قُوَّةً وأَكْثَرُ جَمْعاً ولا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ( 78 ) فَخَرَجَ عَلى قَوْمِه فِي زِينَتِه قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّه لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ( 79 ) وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّه خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وعَمِلَ صالِحاً ولا يُلَقَّاها إِلَّا الصَّابِرُونَ ( 80 )
فَخَسَفْنا بِه وبِدارِه الأَرْضَ فَما كانَ لَه مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَه مِنْ دُونِ اللَّه وما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ ( 81 ) وأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَه بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّه يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِه ويَقْدِرُ لَوْ لا أَنْ مَنَّ اللَّه عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا وَيْكَأَنَّه لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ ( 82 )