يطَّلع على حملها أحد من خلق اللَّه وذلك شيء ستره اللَّه ولم ينبت بطنها ولم يظهر لبنها فلمّا كانت السنة الَّتي يولد فيها موسى بعث فرعون القوابل وأمرهنّ أن يفتّشن النساء تفتيشا صعبا شديدا وكانت القوابل لا يعرض لها لأنّها ما كانت ممّن يظنّ بها الحبل ولمّا كانت اللَّيلة الَّتي ولد موسى عليه السّلام ولدته امّه ولا رقيب عليها ولا قابلة ولم يطَّلع عليها أحد إلَّا أخت موسى اسمها مريم أو كلثمة أو مريم .
ولكن قال ابن عبّاس : لمّا قربت ولادة امّ موسى وكانت قابلة من النساء اللَّاتي وكّلهن فرعون بحبالى بني إسرائيل صديقة لأمّ موسى فلمّا ضربها الطلق أرسلت إليها فجاءت فعالجتها فلمّا ولد موسى رأت نورا بين عينيه فارتعش كلّ مفصل منها ودخل حبّ موسى في قلبها ثمّ قالت : يا هذه ما جئت إليك إلَّا من ورائي قتل لأنّه أمر ربّي بقتل مولودك ولكن وجدت لابنك هذا حبّا ما وجدت حبّ شيء مثل حبّه فاحفظي ابنك فإنّي أراه هو عدوّنا فما خرجت القابلة من عندها أبصرتها جواسيس فرعون وعيونه فجاؤوا ليدخلوا على امّ موسى فقالت مريم : يا امّاه هذه الحرّس بالباب فلفّت موسى في خرقة وطاش « 1 » عقلها فوضعته في تنّور مسجور ولم تعقل ما تصنع فدخلوا فإذا التنوّر مسجور ورأوا امّ موسى وفتّشوا فلم يجدوا شيئا فخرجوا من عندها فرجع إليها عقلها فقالت لأخت موسى : أين الصبيّ ؟ قالت : لا أدري ، فسمعت بكاء في التنوّر فانطلقت إليه وقد جعل اللَّه النار عليه بردا وسلاما فأخذته .
ثمّ إنّ امّ موسى لمّا رأت فرعون جدّ في طلب الولدان خافت على ابنها فقذف اللَّه في قلبها أن تتّخذ له تابوتا ثمّ تقذف التابوت في النيل فذهبت إلى نجّار من أهل مصر فاشترت منه تابوتا فقال لها النجّار : ما تصنعين به ؟ فقالت : ابن لي أخشى عليه كيد فرعون أخبؤه فيه ، وما عرفت أنّه يفشي الخبر وإنّما قالت ذلك خوفا من الكذب فلمّا انصرفت ذهب النجّار ليخبر به الذبّاحين فلمّا جاءهم أمسك اللَّه لسانه وجعل يشير بيده فضربوه وطردوه حملا بفعله السفاهة والجنون فلمّا عاد إلى دكّانه ردّ اللَّه عليه لسانه فذهب مرّة أخرى ليخبرهم فأخرسه اللَّه فضربوه وطردوه فلمّا عاد إلى موضعه ردّ اللَّه عليه نطقه فذهب مرّة
هامش
( 1 ) اى ذهب .