قال الزمخشريّ : ما أعجب أمرهم ! قد ألقوا حبالهم وعصيّهم للكفر والجحود ثمّ ألقوا رؤسهم بعد ساعة للشكر والسجود فما أعظم الفرق بين الإلقاءين ! وروي أنّهم من سرعة ما سجدوا ألقوا ولم يرفعوا رؤسهم حتّى رأوا الجنّة والنار .
عن عكرمة : لمّا خرّوا سجّدا أراهم اللَّه منازلهم ، وهذا بعيد لأنّهم لو كانوا كذلك لما يليق أن يقولوا : « إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا » ولو أنّه جاز منهم هذا القول كما قال إبراهيم : « وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي » « 1 » فلم لا يجوز في مثل السحرة ؟
قوله : * ( [ قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى ] ) * واستدلَّوا بهذه الآية التعليميّة أنّهم آمنوا باللَّه الَّذي عرفوه من قبل هارون وموسى ، فدلّ ذلك على أنّ معرفة اللَّه لا يستفاد إلَّا من الإمام ، والحقّ أنّ هذا القول قويّ ويؤيّد هذا القول قولهم عليهم السّلام : بنا عرف اللَّه ولولانا ما عرف اللَّه .
وبالجملة * ( [ قالَ ] ) * فرعون للسحرة : قد صدّقتم لموسى قبل إذني . وقد بلغ من الجهل أنّه لا يعتقد دين إلَّا بإذنه والفرق بين الإذن والأمر أنّ في الأمر دلالة على إرادة الآمر المأمور به وليس في الإذن ذلك . وقيل : قال اللَّعين ذلك لأن يموّه على الناس بقوله : * ( [ إِنَّه ُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ ] ) * وأنتم تلامذته لأنّه خاف أن يفعل الناس ما فعلوا فألقى هذه الشبهة وتصلَّف باقتداره وتمويهه بهذا الكلام .
* ( [ فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ] ) * والقطع من خلاف أن يقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى لأنّ كلّ واحد من العضوين خلاف الآخر أي لاقطعنّها مختلفات واليمين خلاف الشمال . وجملة « من خلاف » منصوبة على الحال واتّصفت بالاختلاف .
* ( [ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ ] ) * فشبّه اللعين وقوع الصلب وتمكّن المصلوب في الجذع بتمكّن الشيء الموعى في وعائه قال الرازيّ هذا المعنى ، وقال : والَّذي يقال في المشهور أنّ في بمعنى على فضعيف .
هامش
( 1 ) الشعراء : 82 .