الإيمان في طرفة عين فلم يتعاظم عندهم أن خاطبوا فرعون بقولهم : « فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ » في ذات اللَّه وإنّ أحدكم اليوم ليصحب القرآن ستّين عاما ثمّ أنّه يبيع دينه بثمن حقير .
استدلَّت المعتزلة بهذه الآية في القطع على وعيد أصحاب الكبائر ، قالوا : صاحب الكبيرة مجرم وكلّ مجرم فإنّ له نار جهنّم لقوله : « إِنَّه ُ مَنْ يَأْتِ رَبَّه ُ مُجْرِماً » وكلمة « من » في معرض الشرط تفيد العموم بدليل أنّه يجوز الاستثناء في كلّ واحد منها والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل .
واعترض بعض المتكلَّمين على هذا الكلام فقال : لا نسلَّم أنّ صاحب الكبيرة مجرم والدليل عليه أنّه تعالى جعل المجرم في مقابلة المؤمن فإنّه قال في هذه الآية : « وَمَنْ يَأْتِه ِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ » وقال : « إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ » « 1 » وأيضا فإنّه قال : « فَإِنَّ لَه ُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى » والمؤمن صاحب الكبيرة وإن عذّب بالنار لا يكون بهذا الوصف وفي الخبر الصحيح : يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرّة من الإيمان .
وهذا الجواب ليس جوابا للمعتزلة لأنّهم يقولون : إنّ صاحب الكبيرة ليس بمؤمن وإنّ هذا الجواب جواب من يعتقد أنّ الكبيرة لا يخرج صاحبها عن الإيمان .
وبالجملة ثمّ ذكر حال المؤمنين فقال : * ( [ وَمَنْ يَأْتِه ِ مُؤْمِناً ] ) * مصدّقا باللَّه وبأنبيائه * ( [ قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ ] ) * أي أدّى الفرائض * ( [ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى ] ) * أي درجات الجنّة وبعضها أعلى من بعض والعلى جمع العليا وهي تأنيث الأعلى * ( [ جَنَّاتُ عَدْنٍ ] ) * وإقامة ودوام * ( [ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى ] ) * وتطهّر بالإيمان والطاعة عن دنس الكفر ، وقيل : من تزكّى طلب الزكاء بالعمل .
قوله تعالى : [ سورة طه ( 20 ) : الآيات 77 إلى 81 ] وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لا تَخافُ دَرَكاً وَلا تَخْشى ( 77 ) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِه ِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ ( 78 ) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَه ُ وَما هَدى ( 79 ) يا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الأَيْمَنَ وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى ( 80 ) كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيه ِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْه ِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى ( 81 )
هامش
( 1 ) المطففين : 30 .