ثمّ قال : * ( [ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى ] ) * وأدوم أنا أم ربّ موسى ؟
فلو قيل : إنّ فرعون مع نقض عهده في تلك الساعة بمشاهدة انقلاب العصا ثعبانا وقصد ابتلاعها قصر فرعون وآل الأمر أن استغاث بموسى كيف يعقل أن يهدّد السحرة ويبالغ هكذا في وعيدهم إلى هذا الحدّ ويستهزئ بموسى في قوله : « أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى » ؟
قلنا : إنّه كان في أشدّ الخوف في قلبه إلَّا أنّه كان يظهر الجلادة تمشية لأمره وناموسه وخوفا من أن ينقلب الناس دفعة واحدة عليه ، وأمّا حال السحرة قال ابن عبّاس :
كانوا في النهار سحرة كفرة وفي آخره شهداء بررة .
و * ( [ قالُوا ] ) * لفرعون : * ( [ لَنْ نُؤْثِرَكَ ] ) * ونفضّلك على ما آتانا من الأدلَّة الدالَّة على صدق موسى * ( [ فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ ] ) * أي فاصنع ما أنت صانعه ، فأيّ شيء تصنع بنا ؟
فإنّا لا نرجع عن الإيمان إنّما تقضي وتصنع بسلطانك في هذه الحياة الدنيا دون الآخرة .
* ( [ إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا ] ) * من الشرك والمعاصي * ( [ وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْه ِ مِنَ السِّحْرِ ] ) * وإنّما قالوا ذلك لأنّ الملوك كانوا يجبرون بعض الناس على تعليم السحر كيلا يخرج السحر من أيديهم حتّى يعجزون عن تمويه النّاس في دعاويهم الباطلة .
قيل : إنّ السحرة قبل أن يقابلوا موسى قالوا لفرعون : أرنا موسى إذا نام فأراهم إيّاه فإذا هو نائم وعصاه تحرسه ، فقالوا : ليس هذا بسحر إنّ الساحر إذا نام بطل سحره ، فأبى إلَّا أن يعملوا فذلك إكراههم .
* ( [ وَاللَّه ُ خَيْرٌ ] ) * لنا * ( [ وَأَبْقى ] ) * وهذا جواب قوله : « وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى » انتهى الإخبار عن السحرة .
ثمّ قال اللَّه سبحانه : * ( [ إِنَّه ُ مَنْ يَأْتِ رَبَّه ُ مُجْرِماً ] ) * قيل : إنّه من بقيّة قول السحرة ، قيل : المجرم هنا الكافر ، وقيل : الَّذي أجرم وفعل مثل فعل فرعون * ( [ فَإِنَّ لَه ُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها ] ) * فيستريح من العذاب * ( [ وَلا يَحْيى ] ) * حياة فيها راحة بل هو معاقب بأنواع العذاب ، والهاء ضمير الشأن .
قال بعض المفسّرين : سبحان اللَّه ! القوم كفّار وهم أشدّ الكافرين أثبت في قلوبهم
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 98
مساهمون: مير سيد علي الحائري الطهراني
ص٩٨