تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 74

مساهمون:

ص٧٤
لتأكيد النفي ومن عادتهم تشبيه أحد الضدّين بالأخرى في الحكم إذا ثبت هذا فقوله : إنّ زيدا ذاهب كان يجب أن يقول : لا رجلا ذاهب حالة الإعراب منوّنا لكنّهم جعلوا مدخول « لا » مبنيّا أمّا البناء فلشدّة اتّصال حرف النفي بمدخوله فصارا كأنّهما اسم واحد وأمّا الفتح فللخفّة وللفرق بين حركة الإعراب والبناء . ثمّ إنّ خبره محذوف والأصل : لا إله في الوجود وهذا يدلّ على أنّ الوجود زائد على الماهيّة . ولو قيل : تصوّر الثبوت مقدّم على تصوّر السلب فإنّ السلب ما لم يضف إلى الثبوت لا يمكن تصوّره فكيف قدّم هاهنا السلب على الثبوت ؟ لأنّ هذا السلب من مؤكّدات الثبوت لا جرم قدّم عليه قوله تعالى : « لَه ُ الأَسْماءُ الْحُسْنى » « 1 » أي الأسماء الدالَّة على توحيده وإنعامه على العباد والمعاني الحسنة بأيّها دعوتهم جاز . روي عن النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم أنّه قال : إنّ للَّه تعالى تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنّة ، تأويله من وحّد اللَّه وذكر هذه الأسماء يريد بها إعظامه دخل الجنّة . وقد جاء في الحديث : من قال : لا إله إلَّا اللَّه مخلصا دخل الجنّة ، فهذا لمن ذكر اسم اللَّه موحّدا له به فكيف لمن ذكر أسماءه كلَّها يريد بها توحيده والثناء عليه . وإنّما قال : « الحسنى » بلفظ المفرد ولم يقل : الأحاسن لأنّ الأسماء إذا كانت مؤنّثة فباعتبار الجماعة يقع مفردة مؤنّثة كأنّه اسم واحد للجمع كقوله : « حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ » « 2 » و « مَآرِبُ أُخْرى » « 3 » . وقال عليه السّلام : إذا كان يوم القيامة نادى مناد أيّها الناس أنا جعلت لكم نسبا وأنتم جعلتم لأنفسكم نسبا أنا جعلت أكرمكم عندي أتقاكم وأنتم جعلتم أكرمكم أغناكم فالآن أرفع نسبي وأضع نسبكم أين المتّقون الَّذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون . واعلم أنّ الأشياء في قسمة العقول على ثلاثة أقسام : كامل لا يحتمل النقصان فهو
هامش
( 1 ) طه : 8 . ( 2 ) النمل : 60 . ( 3 ) طه : 18 .