* ( [ وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ ] ) * وترفع صوتك أولا تجهر به * ( [ فَإِنَّه ُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى ] ) * من السرّ ، قالوا : السرّ ما حدّث به الإنسان غيره في خفية وأخفى منه ما أضمرت في نفسك ولم تحدّث به غيرك أو الوسوسة وحديث النفس .
قال الباقر والصادق عليهما السّلام : السرّ ما أخفيته في نفسك وأخفى ما خطر ببالك ثمّ نسيته واللَّه هو العالم بجميع المعلومات فهذه الآية إمّا نهي عن الجهر الفاحش في ذكر اللَّه كقوله :
« وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ » « 1 » وإمّا المراد أنّ الجهر ليس لاستماع اللَّه وإنّما لفرض آخر وأنّه عالم لذاته في كلّ الأوقات بعلم واحد وذلك العلم غير متغيّر لأنّه عين ذاته من غير أن يكون موصوفا بالحدوث والإمكان والخلق بأسره لا يشارك الربّ إلَّا في السدس الأوّل وهو أصل العلم ثمّ هذا السدس بينه وبين خلقه أيضا نصفان فخمسة دوانيق ونصف منه مسلَّم له والنصف الواحد لجملة خلقه ثمّ هذا الجزء الواحد مشترك بين الخلائق أجمعون من الملائكة الكرّوبيّة والملائكة الروحانيّة وحملة العرش وسكّان السماوات وملائكة الرحمة والعذاب وجميع الأنبياء أوّلهم آدم وآخرهم محمّد صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم وكذا جميع الخلائق من البشر والجنّ في علومهم الضروريّة والنظريّة والحرف والصناعات والتركيبات وجميع الحيوانات في إدراكاتها وشعوراتها والاهتداء إلى مصالحها في معاشها وتغذيتها ومضارّها فكلّ على قدر رتبته يحصل له من ذلك الجزء والحاصل لك من ذلك الجزء أقلّ من الذرّة المؤلَّفة ثمّ إنّك إذا عرفت بهذه الذرّة صفاته الواجبة والجائزة والمستحيلة فكيف يكون علمه بخمس دوانيق ونصف ؟
أفلا يعلم أسرار عبوديّتك وخضوعك ؟
فهذا تحقيق قوله : « وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّه ُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى » بل الحقّ أنّ الدينار بتمامه له لأنّ الَّذي تعلَّمته بتعليمه ، ولهذا التحقيق مثال وهو الشمس فإنّ ضوءها يجعل العالم منوّرا ولا ينتقص من ضوئها شيء البتّة فكذا ههنا ، انتهى .
قوله : * ( [ اللَّه ُ لا إِله َ إِلَّا هُوَ لَه ُ الأَسْماءُ الْحُسْنى ] ) * ثمّ ذكر الموصوف بالعلم المذكور والقدرة هو اللَّه واحد لا شريك له وهو الَّذي يستحقّ العبادة لا غيره .
هامش
( 1 ) الأعراف : 204 .