وقيل : المعنى لا تشقّ على نفسك ولا تعذّبها بالأسف على كفر هؤلاء فإنّا إنّما أنزلنا عليك القرآن لتذكّر به فمن اتّقى وأصلح فلنفسه فمن كفر فلا يحزنك كفره فما عليك إلَّا البلاغ كقوله . « فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ، الآية » « 1 » .
وقيل : إنّ الآية ردّ قول المشركين وذلك أنّ أبا جهل والوليد بن مغيرة ومطعم ابن عديّ والنضر بن الحارث قالوا لرسول اللَّه : إنّك لتشقى حيث تركت دين قومك ، فقال عليه السّلام : بل بعثت رحمة للعالمين ، قالوا : بل أنت تشقى ، فنزلت الآية .
وقيل : إنّ هذه السورة من أوائل ما نزل بمكّة وفي ذلك الوقت كان صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم مقهورا تحت ذلّ أعدائه فنزلت الآية أنّه لا تظنّ أنّك تبقى على هذه الحالة أبدا في العناء والتعب بل يعلو أمرك ويظهر قدرك وإنّا ما أنزلنا عليك القرآن لتبقى شقيّا بينهم بل تصير معظَّما مكرّما .
وأمّا قوله : * ( [ إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى ] ) * قيل : « إِلَّا » هاهنا استثناء منقطع بمعنى لكن أو التقدير : ما أنزلنا عليك القرآن لتحمّل التعب والأذيّة وما أنزلنا إلَّا ليكون تذكرة ليعتبر بك غيرك وإنّما خصّ من يخشى لأنّهم المنتفعون بهذه التذكرة وإن كان الحكم عامّا في الجميع وهو كقوله : « هُدىً لِلْمُتَّقِينَ » « 2 » .
قوله تعالى : * ( [ تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى ] ) * تقديره : أنزلناه تنزيلا ممّن خلق الأرض وبدأ بالأرض ليستقيم رؤس الآي والسماوات الرفيع العالية ، نبّه بذلك للدلالة على عظم خالقهما .
ثمّ أكّد بقوله : * ( [ الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ] ) * أي هو الرحمن أقبل على خلق العرش ، قال أحمد بن يحيى : الاستواء الإقبال على الشيء والتوجّه والاستيلاء .
* ( [ لَه ُ ] ) * ملك * ( [ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الأَرْضِ ] ) * وتدبيرها وعلمها * ( [ وَما بَيْنَهُما ] ) * من المخلوق والهوى * ( [ وَما تَحْتَ الثَّرى ] ) * أي التراب الندى وما وارى الثرى من كلّ شيء وما ضمّن من الكنوز والأموات .
هامش
( 1 ) الكهف : 6 . الشعراء : 2 .
( 2 ) البقرة : 2 .