تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 58

مساهمون:

ص٥٨
قال القاضي : إذا حملنا لفظ الإرسال على الحقيقة فكان يجب في الكافر أن يكون بقبوله من الشيطان مطيعا للَّه وذلك كفر لأنّ الكافر لا يكون إلَّا عاصيا متمرّدا ، وهذه التخلية تسمّى إرسالا في سعة اللغة كما إذا لم يمنع الرجل كلبه من دخول بيت جيرانه يقال : أرسل عليه كلبه ، وإن لم يرد أذى جاره ، وهذه التخلية وإن كان فيها تشديد للمحنة عليهم ولكنّهم متمكّنون من أن لا يقبلوا منهم ويكون ثوابهم على ترك القبول أعظم والدليل عليه قوله : « وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي » « 1 » وذلك مثل جعل قوّة الزنا في الإنسان لكنّه لا يضطرّ الإنسان بجعل القوّة إلى الزنا بحيث لم يتمكّن من تركه . قوله تعالى : * ( [ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا ] ) * أي تزعجهم إزعاجا من الطاعة إلى المعصية . الأزّ والهزّ والاستفزاز أخوات في معنى التهييج أي تغريهم وتحثّهم بالوساوس والتسويلات تقول لهم : امض امض لا يفوتك هذا الأمر ، حتّى توقعهم في النار . * ( [ فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا ] ) * معناه فلتطب نفسك يا محمّد ولا تستعجل لهم العذاب فإنّ مدّة بقائهم قليلة فإنّا نعدّ لهم الأيّام والسنين والأنفاس وما دخل تحت العدّ إلى الأجل الَّذي أجّلناه لعذابهم . نزلت في المستهزئين بالقرآن وهم خمسة رهط ، وكان ابن عبّاس إذا قرأ الآية بكى وقال : آخر العدد خروج نفسك آخر ، العدد دخول قبرك ، آخر العدد فراق أهلك . قال ابن السماك : إذا كانت الأنفاس بالعدد ولم يكن لها مدد فما أسرع ما نفد . * ( [ يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً ] ) * ثمّ بيّن حال ما سيعدّ للمتّقين والمجرمين فقال : « يَوْمَ نَحْشُرُ » أي اذكر يوم نحشر المتّقين إلى محلّ كرامة الرحمن وإلى دار ثوابه وفودا وجماعات عن أمير المؤمنين قال : قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : والَّذي نفسي بيده إنّ المتّقين وهم الَّذين اجتنبوا الشرك والمعاصي في الدنيا إذا خرجوا من قبورهم استقبلوا بنوق بيض لها أجنحة عليها رجال من الذهب . * ( [ وَ ] ) * كذلك * ( [ نَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ ] ) * على المسير * ( [ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً ] ) * عطاشا كالإبل الَّتي
هامش
( 1 ) سورة إبراهيم : 22 .