العالمين فوجب بحكم هذه الآية أن يكون صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم رحمة للملائكة فوجب أن يكون أفضل منهم .
وروي أنّ النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم قال لجبرئيل : لمّا نزلت هذه الآية : فهل أصابك من هذه الرحمة شيء ؟ قال : نعم إنّي كنت أخشى العاقبة أفعنت بك لمّا أثنى اللَّه عليّ بقوله : « ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ » « 1 » وقد قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : إنّما أنا رحمة مهداة ومعلوم أنّ الوجه في أنّه رحمة على الكافر أنّه عرضه للإيمان والثواب الدائم وهذا وإن لم يهتد كمن قدّم طعاما إلى جائع فلم يأكل فإنّه منعم عليه وإن لم يقبل .
قوله : * ( [ قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِله ٌ واحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ] ) * أي مستسلمون ومنقادون لذلك أن تتركوا عبادة غير اللَّه وحاصله أن أسلموا إلى هذا الأمر .
وفي المناقب : فهل أنتم مسلَّمون الوصيّة بعدي - بالتشديد - والمراد من الوصيّة الخلافة فإنّ قوله : « فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ » « 2 » أي انتهوا .
قال صاحب الكشّاف : كلمة « إنّما » يقصّر الحكم على شيء أو يقصّر الشيء على حكم كقولك : إنّما زيد قائم أو إنّما يقوم زيد وقد اجتمع المثالان في هذه الآية لأنّ « إِنَّما يُوحى إِلَيَّ » مع فاعله بمنزلة إنّما يقوم زيد و « أَنَّما إِلهُكُمْ إِله ٌ واحِدٌ » بمنزلة إنّما زيد قائم وفائدة اجتماعهما الدلالة على أنّ الوحي إلى رسول اللَّه مقصور على إثبات التوحيد فلزم أن يقال : لم يوح إلى رسول اللَّه شيء غير التوحيد ومعلوم أنّ ذلك فاسد والمقصود من هذا الحصر المبالغة في هذا الأمر فكأنّه هذا الوحي أصل ومقدّم على الكلّ ولولاه لم يتحقّق امتثال في أمر من أمور الوحي وهو أصل أصيل .
قوله : * ( [ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ ] ) * آذن منقول من أذن أي علم ولكنّه كثر استعماله في الجري مجرى الإنذار ومنه قوله : « فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّه ِ وَرَسُولِه ِ » والإيذان على السواء معناه الدعاء إلى الحرب مجاهرة .
والمقصود لعلّ أنّ قريشا يزعمون أنّ حالهم مخالف لسائر الكفّار في الأمور فعرّفهم صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم بذلك وأعلمهم بما امر به على السواء من غير فرق وبيّن لهم ما هو الواجب عليهم من التوحيد وكلّ الأمور على سواء فلم افرّق في الإبلاغ والبيان ، والغرض
هامش
( 1 ) التكوير : 20 .
( 2 ) المائدة : 94 .