تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 204

مساهمون:

ص٢٠٤
عن الحرام ثمّ إنّما ينتفع بهذه الرحمة من كانت همّته طلب الحقّ ولا يرغب به العناد والحسد والاستكبار وكان التوفيق له قرينا قال اللَّه : « قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ » « 1 » . وأمّا في الدنيا فلأنّهم تخلَّصوا بسببه من كثير من الذلّ والحروب ونصروا ببركة دينه . فإن قيل : كيف كان رحمة وقد جاء بالسيف واستباحة الأموال ؟ فالجواب أنّه إنّما جاء بالسيف لمن يقدّم ضرّه على نفعه ولا يعرف خيره من شرّه واستكبر وعاند في الدين ولم يتفكّر ولم يتدبّر ومن أوصاف اللَّه الرحمن الرحيم العطوف الرؤف ثمّ هو سبحانه ينتقم من العصاة وقال تعالى : « وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً » » ثمّ قد يكون سببا لعدم البركة ثمّ إنّ كلّ نبيّ قبل نبيّنا كان إذا كذّبه قومه أهلك اللَّه المكذّبين بالخسف والمسخ والغرق والحرق وإنّه تعالى أخّر عذاب من كذّب رسولنا إلى الموت أو إلى القيامة قال اللَّه تعالى : « وَما كانَ اللَّه ُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ » « 3 » . ثمّ إنّه كان صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم في نهاية حسن الخلق قال : « وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ » وفي الحديث قيل لرسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : ادع على المشركين قال : إنّما بعثت رحمة ولم ابعث عذابا وقال عبد الرحمن بن زيد : إلَّا رحمة للعالمين يعني المؤمنين خاصّة والقولان ترجعان إلى معنى واحد لأنّ من أعرض عنه إنّما وقع في المحنة من قبل نفسه كما قال : « وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى » « 4 » . قالت المعتزلة : لو كان اللَّه أراد من الكافرين الكفر ولم يرد من الكفّار الإيمان بالرسول كما يقوله أهل السنّة بأن خلق ذلك الكفر فيهم لوجب أن يكون إرساله نقمة وعذابا عليهم لا رحمة وذلك على خلاف النصّ . واستدلَّوا أيضا بهذه الآية في أنّه أفضل من الملائكة قالوا : لأنّ الملائكة من
هامش
( 1 ) فصلت : 44 . ( 2 ) ق : 9 . ( 3 ) الأنفال : 33 . ( 4 ) فصلت : 44 .