تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨
وذلك يبطل قول الفلاسفة في أنّ الأرواح البشريّة والعقول المفارقة والنفوس الفلكيّة لا تموت . والذوق هاهنا إدراك خاصّ من لازم الموت وإعدام الحياة ولعلّ له مرارة خاصّة من شدّة ألم النزع فيكون من المذاقات حقيقة من الآلام العظيمة الَّتي من مقدّمات حصول الموت قبل دخوله في الوجود . قوله تعالى : * ( [ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ ] ) * والابتلاء لا يتحقّق إلَّا مع التكليف فالآية دالَّة على حصول التكليف ، ويمتحن سبحانه المكلَّف بأمرين : أحدهما ما سمّاه خيرا وهو نعم الدنيا من الصحّة واللذّة والسرور والتمكّن من المرادات . والثاني ما سمّاه شرّا وهو المضارّ الدنيويّة من الفقر والآلام والشدائد النازلة على المكلَّفين ، والعبد يتردّد بين هاتين الحالتين لكي يشكر على المنح ويصبر ويتحمّل في المحن فيعظم ثوابه إذا قام بما يلزم وإنّما سمّى ذلك ابتلاء وهو عالم بما سيكون من أعمال العباد العاملين قبل وجودهم . قال الزمخشريّ : « فتنة » مصدر تأكيد لقوله « لنبلوكم » من غير لفظه . قوله : * ( [ وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ ] ) * واحتجّت التناسخيّة بقوله : « وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ » فإنّ الرجوع إلى موضع مسبوق بالكون فيه وهذا الاستنباط غلط لأنّ المراد من الرجوع الرجوع والمردّ إلى حكمته سبحانه ومحاسبته ومجازاته وليس المعنى أنّهم كانوا قبل دخولهم في هذا العالم ثمّ رجعوا إليه ومن المعلوم ضرورة أنّهم كانوا مسبوقين بالعدم ثمّ وجدوا فمن أين ثبت أنّهم كانوا ثمّ رجعوا ؟ كما أنّ المجسّمة قالوا بأنّا أجسام فرجوعنا إلى اللَّه يقتضى كون اللَّه جسما وهذا غلط أفحش من الأوّل لأنّ الجسم محتاج إلى حيّز وتركيب واحتياج وكلَّه منزّه عنه تعالى اللَّه عن التجسّم والتركيب والاحتياج . وبالجملة لا بدّ للإنسان المكلَّف أن يمتحن بالخير والشرّ . في المجمع عن الصادق عليه السّلام : إنّ أمير المؤمنين عليه السّلام مرض فعاده إخوانه فقالوا : كيف نجدك يا أمير المؤمنين ؟ قال : بشرّ ، قالوا : ما هذا كلام مثلك ، قال : إنّ اللَّه يقول : ونبلوكم بالشرّ والخير فالخير الصحّة والغنى والشرّ المرض والفقر .
قوله تعالى : [ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 36 إلى 40 ] وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ ( 36 ) خُلِقَ الإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ ( 37 ) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 38 ) لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ( 39 ) بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ( 40 )