التامّ ومرادهم بالطباعيّ التامّ أنّ لكلّ إنسان روحا فلكيّة يتولَّى إصلاح مهمّاته ودفع بليّاته وآفاته .
ومن هذه الأقوال لعلّ انتشاء مذهب التصابؤ . وباليقين أن يكون يؤيّدك ويحفظك ملك من ملائكة اللَّه أحرى بالقبول من أن يؤيّدك ويحفظك المرّيخ مثلا لأنّ القوّتين ناشئتان من غيرهما ، فإن قلت : منهما - عياذا باللَّه - فقد تعدّدت الآلهة إلى عدد لا يتناهى ، وإن قلت : من غيرهما . فتعلَّق هذه القوّة بالملك أقبل بالقبول من تعلَّقها بجرم كمد مجهول الماهيّة والصورة كالقمر مثلا على أنّ تمام كتب السماويّة ناطقة بذلك ، آمنت بما أنزل إليه في كتبه على لسان رسله .
قوله تعالى : [ سورة الرعد ( 13 ) : الآيات 12 إلى 15 ] هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ ( 12 ) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِه ِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِه ِ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّه ِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ ( 13 ) لَه ُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِه ِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْه ِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاه ُ وَما هُوَ بِبالِغِه ِ وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ ( 14 ) وَلِلَّه ِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصالِ ( 15 )
لمّا بيّن في الآية السابقة بأنّ اللَّه إذا أراد بقوم سوء لا مردّ لقضائه أخبر في هذه الآية كمال قدرته فقال : * ( [ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ ] ) * تخويفا وإطماعا فأقام الخوف والطمع مقام التخويف والإطماع ، والخوف من الصواعق الَّتي يكون معها وطمعا في الغيث الَّذي ينزل ، أو خوفا لمن يخاف ضرر المطر ، وطعما لمن يرجو الانتفاع به فيشبه النعم والإحسان من بعض الوجوه ، ويشبه العذاب والقهر من بعض الوجوه قال المتنبّي :
فتى كالسحاب الجون يخشى ويرتجى
يرجّى الحيا منها ويخشى الصواعق
واعلم أنّ حدوث البرق دليل عجيب على قدرة اللَّه ، وبيانه أنّ السحاب جسم مركّب من أجزاء رطبة مائيّة ، ومن أجزاء هوائيّة وناريّة ، ولا شكّ أنّ الغالب عليه الأجزاء المائيّة ، والماء جسم بارد رطب ، والنار جسم حارّ يابس ، وكوّن الضد في الضدّ ، فظهور الضدّ من الضدّ التامّ على خلاف العقل والعادة ، فلا بدّ من صانع مختار يظهر الضدّ من الضدّ .