الأجرام الفلكيّة في أحيازها وجهاتها المعيّنة ليس أمر واجب لذاته ، والخلأ لا نهاية له فحصول جسم معيّن بحيّز معيّن من دون الأحياز مع أنّ الأحياز متساوية والخلأ لا نهاية لا بدّ من تخصيص مرجّح ومخصّص .
ولا يجوز أن يقال : إنّها اختصّت وبقيت بسلسلة فوقها لأنّه يعود الكلام بتلك السلسلة ولزم المرور إلى ما لا نهاية له وهو محال فثبت أنّ هذه الخصوصيّات بمدبّر غيرها تعالى شأنه العزيز ، فهذا برهان قاهر على وجود الإله ، وكذلك في الشمس والقمر والأرض والنبات وما سواه لأنّ اختصاصيّتها بتحيّزاتها الخاصّ وتكيّفاتها بكيفيّات مختلفة يدلّ على تخصيص مخصّص متصرّف في ذواتها وخارج عنها قاهر عليها .
قوله : * ( [ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ] ) * أي استولى على العرش واستوى واستقرّ أمر العرش بعد خلقه ، والوجه في إدخال كلمة « ثُمَّ » في الكلام مع أنّه لم يزل كان مقتدرا أنّ المراد اقتداره على تصريفه وتقليبه ولا يوصف به إلَّا بعد وجود العرش .
قوله : * ( [ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ] ) * وذلَّلهما لمنافع خلقه ومصالح عباده ، كلّ واحد منهما يجري ويتحرّك إلى وقت معيّن وهو فناء الدنيا وقيام الساعة الَّتي تكوّر عندها الشمس وينخسف القمر وينكدر النجوم أو المراد بالأجل المسمّى منازلهما الَّتي ينتهيان إليها ولا تجاوزانها ، وللشمس مائة وثمانون منزلا تنزل كلّ يوم منزلا حتّى تنتهي إلى آخر المنازل فلا يجاوزه ، وترجع إلى أوّل المنازل ، وينزل القمر كلّ ليلة منزلا حتّى ينتهي إلى آخر منازله ، فهو سبحانه يدبّر الأمور كلَّها من الإيجاد والإعدام والإغناء والإفقار ويكلَّف الخلق من أيّ جهة على كمال القدرة والحكمة .
* ( [ يُفَصِّلُ الآياتِ ] ) * يأتي بآية في أثر آية فصلا فصلا مميّزا بعضها عن بعض ليكون أمكن للاعتبار والتفكّر * ( [ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ ] ) * لكي توقنوا بالبعث والنشور ، وفي هذا دلالة على وجوب النظر المؤدّي إلى معرفة اللَّه وعلى بطلان التقليد .
قوله تعالى : [ سورة الرعد ( 13 ) : الآيات 3 إلى 4 ] وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( 3 ) وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( 4 )