بيّن في هذه الآية أنّ التقصير من جهتهم لا من جهته سبحانه ولا من جهتك لأنّك دعوتهم فقال : * ( [ وَما أَكْثَرُ النَّاسِ ] ) * بمصدّقين نبوّتك * ( [ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ] ) * - و « الحرص » طلب الشيء باجتهاد في إصابته - لأنّ حرص الداعي لا يفيد إذا كان المدعوّ لا يجيب .
وسبب نزول الآية أنّ جماعة من اليهود طلبوا بيان هذه القصّة من رسول اللَّه وظنّ رسول اللَّه أنّهم بعد سماع القصّة يؤمنون ، فلمّا ذكرها صلَّى اللَّه عليه وآله أصرّوا على كفرهم فنزلت .
وهذا القرآن يشتمل على منافع عظيمة وأنت لا تطلب منهم شيئا ومالا جعلا ، فلو كانوا عقلاء لقبلوا ولم يتمرّدوا لأنّ القرآن تذكرة لهم في دلائل التوحيد والنبوّة ، وحاصل المعنى أنّك ما تطلب منهم أجرا ومالا حتّى يكون ذلك مانعا لقبولهم ، فكيف لا يقبلون صلاحهم ؟
قوله : * ( [ وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ ] ) * أي كم من آية وحجّة من العدد شئت من العلامات الدالَّة على وحدانيّة اللَّه من الشمس والقمر والنجوم والسماوات والجبال والشجر وألوان النباتات وأحوال المتقدّمين * ( [ يَمُرُّونَ عَلَيْها ] ) * ويبصرونها [ وهم معرضون ] عن التفكّر فيها .
قوله : * ( [ وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّه ِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ] ) * قريش وعبدة الأصنام كانوا يقرّون باللَّه خالقا ومحييا ومميتا ، ويعبدون الأصنام ويدعونها آلهة مع أنّهم كانوا يقولون : اللَّه ربّنا وإلهنا ورازقنا . فكانوا مع هذه الإقرار مشركين بسبب عبادة الأصنام فحينئذ إيمانهم شرك .
وقيل : إنّها نزلت في مشركي العرب إذا سئلوا : من خلق السماوات والأرض ، وينزل المطر ؟ قالوا : اللَّه ثمّ هم في تلبيتهم يقولون : لبّيك لا شريك لك إلَّا شريكا هو لك تملكه وما ملك .
وثالث الأقوال أنّهم أهل الكتاب آمنوا باللَّه واليوم الأخر والتوراة والإنجيل ، ثمّ أشركوا بإنكار القرآن وإنكار نبوّة محمّد صلَّى اللَّه عليه وآله ، عن عليّ بن موسى عليه السّلام .
ورابع الأقوال أنّهم المنافقون يظهرون الإيمان ويشركون في السرّ .
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 67
مساهمون: مير سيد علي الحائري الطهراني
ص٦٧