لا نبيّا ولا ملكا بل هو عبد أحبّ اللَّه فأحبّه اللَّه ونصح للَّه فنصح له فبعثه إلى قومه فضربوه على قرنه الأيمن فغاب عنهم ما شاء اللَّه أن يغيب ثمّ بعثه اللَّه ثانية فضربوه قرنه الأيسر فغاب عنهم ثمّ بعثه الثالثة فمكّن اللَّه له في الأرض ، ولعلّ البعثة الولاية لا النبوّة ، ثمّ قال أمير المؤمنين : وفيكم مثله ، يعني نفسه الشريفة .
ومعنى قوله : * ( [ إِنَّا مَكَّنَّا لَه ُ فِي الأَرْضِ ] ) * أي جعلنا له مكنة وقدرة على التصرّف في الأرض من حيث التدبير والرأي والأسباب حيث سخّر له السحاب ومدّ له في الأسباب وبسط له النور وكان الليل والنهار عنده سواء وسهل عليه المسير في الأرض وذلَّل له طريقها حتّى تمكّن منها أنّى شاء .
قوله : * ( [ وَآتَيْناه ُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً ] ) * أي أعطيناه من كلّ شيء علما يتسبّب به إلى إرادته وبلوغ حاجته ويستعين به الملوك على فتح البلاد والغلبة عليهم * ( [ فَأَتْبَعَ سَبَباً ] ) * أي كلَّما أراد حصوله أتبع سببا من الأسباب الَّتي أوتي في المسير من بلد إلى بلد ومن قوم إلى قوم حتّى يفوز بمرامه ومقصده .
* ( [ حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ ] ) * أي انتهى إلى آخر العمارة من جانب المغرب من الشمس وبلغ قوما لم يكن وراءهم أحد إلى موضع غروب الشمس ولم يرد بذلك أنّه بلغ إلى موضع الغروب لأنّه لا يصل إليه أحد أي تراءى له كأنّ الشمس تغرب في عين كما أنّ من كان في البحر رأى الشمس كأنّها تغرب في الماء ومن كان في البرّ يراها كأنّها تغرب في الأرض الملساء لأنّ الشمس لا تزايل الفلك ولا تدخل عين الماء * ( [ وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً ] ) * أي إذا بلغ منتهى الأرض من جهة المغرب بحيث لا يتمكّن أحد من بلوغه فضلا عن مجاوزته ووقف على حافّة البحر المحيط الغربيّ المسمّى باقيانوس الَّذي فيه جزائر الخالدات وجد الشمس تغرب في عين ذات طين أسود ذات حمئة وماء حارّ ، وقرئ « حامية » أي حارّة ولا تنافي . ووجد عند العين أو الشمس أناسا .
* ( [ قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ ] ) * واستدلّ الذاهبون بنبوّته بهذا الخطاب لأنّ الوحي والخطاب لا يجوز إلَّا على الأنبياء . وكانوا قوما لباسهم جلود الوحوش وطعامهم من البحر وما لفظه البحر وكانوا كفّارا فخيّر اللَّه ذا القرنين بين أن يعذّبهم بالقتل إن أقاموا على كفرهم
و
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 326
مساهمون: مير سيد علي الحائري الطهراني
ص٣٢٦