المعنى * ( [ فَوَجَدا ] ) * موسى وفتاه وهو يوشع وصادفا * ( [ عَبْداً مِنْ عِبادِنا ] ) * قائما على الصخرة يصلَّي وهو الخضر واسمه بنيا بن ملكان ، وإنّما سمّي خضرا لأنّه إذا قعد أو نزل في مكان اخضرّ ما حوله . وروي مرفوعا أنّه قعد على فروة بيضاء فصارت تحته خضراء .
وقيل : إنّه رآه على طنفسة خضراء فسلَّم عليه فقال : وعليك السلام يا نبيّ اللَّه نبيّ بني إسرائيل ، فقال له موسى : وما أدراك من أنا ؟ ومن أخبرك أنّي نبيّ ؟ قال : من دلَّك عليّ .
واختلف في هذا العبد فقيل : إنّه كان ملكا أمر اللَّه موسى أن يأخذ عنه ما حمله إيّاه من بواطن الأشياء وعلومها . وقال الأكثرون : إنّه من البشر ، ثمّ اختلفوا فقال جماعة : إنّه كان نبيّا لأنّه لا يجوز أن يتّبع النبيّ غير النبيّ . ومتى قيل : كيف يكون نبيّ أعلم من موسى في وقته ؟ قلنا : يجوز أن يكون الخضر خصّ بعلم ما لا يتعلَّق بالأداء فاستعلم موسى من جهته ذلك العلم فقط وإن كان موسى أعلم منه في العلم الَّذي يؤدّيه من قبل اللَّه .
وقال الأكثرون : إنّه كان نبيّا واستدلَّوا بوجوه :
الأول : قوله تعالى : « آتَيْناه ُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا » والرحمة هي النبوّة بدليل قوله تعالى : « أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ » « 1 » وقوله : « وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ » « 2 » والمراد من هذه الرحمة النبوّة . ولقائل أن يقول : سلَّمنا أنّ النبوّة رحمة أمّا لا يلزم أن يكون كلّ رحمة نبوّة .
الوجه الثاني : قوله : « وَعَلَّمْناه ُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً » وهذا يقتضي أنّه تعالى علَّمه لا بواسطة تعليم البشر بل علَّمه بالوحي من اللَّه وهذا معنى النبوّة .
الوجه الثالث : أنّ ذلك العبد أظهر الترفّع على موسى حيث قال له : « وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِه ِ خُبْراً » وأمّا موسى فإنّه أظهر التواضع له حيث قال : « لا أَعْصِي ) *
هامش
( 1 ) الزخرف : 32 .
( 2 ) القصص : 86 .