تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 288

مساهمون:

ص٢٨٨
ولمّا انصرف الكفّار آيسين عنهم ولم يجدوا أحدا سدّوا باب الغار بالحجارة فجاء رجل بماشية إلى باب الغار وأخرج الحجارة ودفعها واتّخذ لماشيته كنّا عند باب الغار وهم كانوا في فجوة من الغار . قوله : * ( [ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ ] ) * يعني لو أشرفت عليهم أيّها الناظر عليهم ورأيتهم في كهفهم لفررت عنهم هربا لاستيحاشك الموضع ولملئ قلبك روعا لأنّ اللَّه منعهم بالرعب لئلَّا يصل إليهم أحد حتّى يبلغ الكتاب أجله ، كما نصر نبيّنا محمّد صلَّى اللَّه عليه وآله بالرعب مسيرة شهر أو شهرين . ولا يمتنع أنّ الكفّار لمّا أتوا باب الكهف فزعوا من وحشة المكان حيث جعل اللَّه هذه الوحشة في قلوبهم فسدّوا باب الكهف ليهلكوا فيه وجعل سبحانه هذا الأمر لطفا لهم لئلَّا ينالهم مكروه من سبع وغيره وليكونوا محروسين من كلّ سوء . وقيل : إنّه قد طالت أظفارهم وشعورهم ولذلك يأخذ الرعب منهم . وهذا لا يصحّ لقوله سبحانه : حكاية عنهم « لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ » . وروى سعيد بن جبير عن ابن عبّاس قال : غزوت مع معاوية نحو الروم فمرّوا بالكهف الَّذي فيه كان أصحاب الكهف فقال معاوية : لو كشف لنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم . فقلت له : ليس هذا لك فقد منع ذلك من هو كان خير منك قال اللَّه : « لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً » فقال معاوية : لا أنتهي حتّى أعلم علمهم فبعث رجالا فلمّا دخلوا الكهف أرسل اللَّه عليهم ريحا فأحرقتهم .
قوله تعالى : [ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 19 إلى 20 ] وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ لِيَتَسائَلُوا بَيْنَهُمْ قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِه ِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْه ُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً ( 19 ) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً ( 20 ) المعنى : كما فعلنا بهم الأمور العجيبة وحفظناهم تلك المدّة المديدة بعثناهم من تلك الرقدة وأيقظناهم من تلك النومة الَّتي أشبهت الموت ليكون بينهم مساءلات وحكايات في اختلاف مدّة لبثهم فينبّهوا بذلك على معرفة صانعهم ويزدادوا يقينا إلى يقينهم .