اللَّه التوراة فقال صلَّى اللَّه عليه وآله : التوراة في علم اللَّه قليل .
واعلم أنّ للناس في حقيقة الإنسان مذاهب فجمهور المتكلَّمين يقولون : إنّ الإنسان عبارة عن هذه البنية المحسوسة وعن هذا الجسم المحسوس ، ويقولون : إنّ الإنسان يحتاج تعريفه إلى ذكر حدّ أو رسم . وبعض أنكروا هذا القول ، ويقولون : إنّ العلم الضروريّ يحكم بأنّ هاهنا شيئا غير الإنسان بقوله : أنا ، وعلمت ، وسمعت ، وفرحت ، وغضبت فالمشار إليه بقوله : أنا إمّا جسم أو عرض أو مجموع الجسم والعرض أو شيء مغاير للجسم والعرض .
والَّذي يدلّ على أنّه لا يمكن أن يكون الإنسان هو هذا الجسم المحسوس وجوه :
الوجه الأول : أنّ العلم البديهيّ حاصل بأنّ أجزاء هذه الجثّة متبدّلة بالزيادة والنقصان تارة بحسب النموّ والذبول وتارة بحسب السمن والهزال ، والمتبدّل المتغيّر غير الثابت الباقي .
الثاني أنّ الإنسان حال ما يكون مشتغل الفكر نحو أمر معيّن مخصوص فإنّه في تلك الحالة يكون غافلا عن جميع أجزاء بدنه وأعضائه وأبعاضه مجموعها ومفصّلها وهو مع ذلك غير غافل عن نفسه المعيّنة بدليل أنّه في تلك الحالة قد يقول : غضبت واشتهيت وأبصرت ، وتاء الضمير كناية عن نفسه فهو في تلك الحالة عالم بنفسه وغافل عن جملة بدنه وعن كلّ من أعضائه والمعلوم غير ما هو غير معلوم فالإنسان يجب أن يكون مغايرا لجملة هذا البدن .
الوجه الثالث أنّ الإنسان قد يكون حيّا حال ما يكون البدن ميّتا فوجب كون الإنسان مغايرا لهذا البدن قال اللَّه : « وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّه ِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ » « 1 » فهذا النصّ صريح في أنّ أولئك المقتولين أحياء والحسّ يدلّ على أنّ هذا الجسد ميّت وكذلك قوله صلَّى اللَّه عليه وآله : أنبياء اللَّه لا يموتون ولكن ينقلون من دار إلى دار . وكذلك قوله صلَّى اللَّه عليه وآله : من مات فقد قامت قيامته . وكلّ هذه النصوص
هامش
( 1 ) آل عمران : 169 .