تدلّ على أنّ الإنسان يبقى بعد موت الجسد ، وإذا ثبت أنّ الإنسان حيّ وكان الجسد ميّتا لزم أنّ الإنسان شيء غير هذا الجسد ، وقوله صلَّى اللَّه عليه وآله في خطبة طويلة له : « حتّى إذا حمل الميّت على نعشه رفرف روحه فوق النعش ، ويقول : يا أهلي ويا ولدي جمعت المال من حلَّه وغير حلَّه » ومعلوم أنّ الَّذي كان الأهل أهلا له ليس إلَّا ذلك الإنسان وهذا الأمر في وقت كان الجسد ميّتا محمولا وذلك الإنسان حيّا باقيا .
الوجه الرابع أنّ الإنسان إذا ضاع عضو من أعضائه مثل أن تقطع يداه أو رجلاه أو تقلع عيناه أو تقطع أذناه إلى غيرها من الأعضاء فإنّ ذلك الإنسان يجد من قلبه وعقله أنّه هو عين ذلك الإنسان ولم يقع في ذلك الإنسان تفاوت حتّى أنّه يقول : أنا ذلك الإنسان الَّذي كنت موجودا قبل ذلك إلَّا أنّهم قطعوا يدي ورجلي ، وذلك برهان يقينيّ على أنّ ذلك الإنسان شيء مغاير لهذه الأعضاء وذلك يبطل قول من يقول : الإنسان عبارة عن هذه البنية المخصوصة ، وأنت إذا تكلَّمت مع زيد وقلت له : افعل كذا ولا تفعل كذا ، فالمخاطب والمأمور والمنهيّ ليس هو جبهة زيد ولا أنفه ولا عينه والمأمور شيء مغاير لهذا البدن .
فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : المأمور جملة هذا البدن لا شيء من أعضائه ؟
قلنا : توجّه التكليف على الجملة إنّما يصحّ لو كانت الجملة فاهمة عالمة فلو كانت الجملة فإمّا أن يقوم بمجموع البدن علم واحدأ ويقوم بكلّ واحد من الأجزاء علم على حدة ، والأوّل يقتضي قيام العرض بالمحالّ الكثيرة وهو محال . والثاني يقتضي أن يكون كلّ واحد من أجزاء البدن عالما مدركا على سبيل الاستقلال والعلم الضروريّ يحكم بأنّ الجزء المعيّن من البدن ليس فاهما عالما على سبيل الاستقلال فيسقط السؤال .
قوله : * ( [ وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ] ) * لمّا بيّن سبحانه في الآية الأولى أنّه ما آتاهم من العلم إلَّا قليلا بيّن في هذه الآية أنّه لو شاء أن يأخذ منهم ذلك القليل لقدر عليه أي إنّي أقدر أن آخذ ما أعطيتك كما منعته غيرك لكن دبّرت لك بالرحمة فأعطيتك ما تحتاج إليه من العلم ومنعت ما لا تحتاج إليه ، وأثبت القرآن في قلبك وقلوب المؤمنين ولو شئنا لمحونا هذا القرآن من صدرك وصدر امّتك حتّى لا يوجد له أثر [ ثمّ لا تجد له ] حفيظا يحفظه عليك ويحفظ ذكره على قلبك .
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 267
مساهمون: مير سيد علي الحائري الطهراني
ص٢٦٧