فجعل الصنم ينكبّ لوجهه حين يقرأ صلَّى اللَّه عليه وآله هذه الآية ، ويقولون أهل مكّة : ما رأينا رجلا أسحر من محمّد صلَّى اللَّه عليه وآله .
قوله تعالى : [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 82 إلى 84 ] وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً ( 82 ) وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِه ِ وَإِذا مَسَّه ُ الشَّرُّ كانَ يَؤُساً ( 83 ) قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِه ِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا ( 84 )
المعنى : اعلم أنّ « مِنَ » في الآية للجنس لا للتبعيض أي * ( [ وَنُنَزِّلُ مِنَ ] ) * هذا الجنس من الكلام الَّذي هو القرآن * ( [ ما هُوَ شِفاءٌ ] ) * من الأمراض الروحانيّة والعقائد الفاسدة والأخلاق المذمومة لأنّ أشدّ المفاسد فساد العقائد الفاسدة في الإلهيّات والنبوّة والبعث ، والقرآن مشتمل على رفع هذه المفاسد بالدلائل الواضحة ويدفع العيوب الباطنة فكان شفاء من هذا النوع من المرض .
وأمّا كونه شفاء من الأمراض الجسمانيّة فلأنّ التبرّك بقراءته يدفع كثيرا من الأمراض واعترف الجمهور من الفلاسفة وأصحاب الطلسمات بأنّ لقراءة الرقيّ المجهولة والعزائم الَّتي لا يفهم منها شيء آثار عظيمة في تحصيل المنافع ودفع المضارّ فلأن تكون القراءة من القرآن سببا لحصول المنافع ودفع المضارّ كان أولى ، على أن وردت أخبار في بعض الآيات لأمور ، ويؤيّد هذا المعنى ما روي أنّ النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله قال : من لم يستشف بالقرآن فلا شفاه اللَّه .
وأمّا كونه رحمة للمؤمنين ونعمة لهم لأنّهم المنتفعون من القرآن ، ولكنّ الظالمين لا يزدادون عنده إلَّا الخسار والعقاب لكفرهم به ولعلّ المعنى أنّ القرآن يظهر ما هم فيه من الكيد والمكر فيفتضحون بذلك .
قوله : * ( [ وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الإِنْسانِ ] ) * وكثرت نعمته * ( [ أَعْرَضَ ] ) * عن ذكرنا وولَّى وبعد بنفسه وجانبه عن القيام بحقوق إنعامنا وشكرنا وتباعد عنّا عن الشكر والدعاء وتكبّر * ( [ وَإِذا مَسَّه ُ الشَّرُّ ] ) * وأسباب المحنة وأصابه الفقر لم يصبر ويكون قنوطا ومأيوسا من رجاء