وفي هذه الآية دلالة على أنّ السؤال عن الروح وقع عن القرآن .
واحتجّ القائلون بحدوث القرآن وأنّه مخلوق وليس بقديم قالوا : والَّذي يقدر على إزالته والذهاب به يستحيل أن يكون قديما .
قوله : * ( [ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ] ) * على الاستثناء المنقطع يعني لكن رحمة ربّك تركته لك وما ذهب به وهذه منّة من اللَّه عليه * ( [ إِنَّ فَضْلَه ُ ] ) * وامتنانه بسبب إبقاء القرآن والعلم * ( [ عَلَيْكَ كَبِيراً ] ) * بسبب إنزال القرآن عليك وجعلك سيّد ولد آدم وختم بك النبيّين وأعطاك المقام المحمود .
قوله تعالى : * ( [ قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ ] ) * قل يا محمّد لهؤلاء الكفّار : لئن اجتمعت الإنس والجنّ متعاونين متعاضدين * ( [ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ ] ) * وجامعيّته وجودة المعاني والخلوّ من التناقض ، وكونه من الطبقة العليا * ( [ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِه ِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ] ) * معينا مثل ما يتعاون الشعراء على بيت شعر فيقيمونه ، وللناس فيه قولان :
منهم من قال : القرآن في نفسه معجز . ومنهم من قال : إنّه ليس في نفسه معجزا إلَّا أنّه تعالى لمّا صرف دواعيهم عن الإتيان بمعارضته مع أنّ تلك الدواعي كانت قويّة فكانت هذه الصرفة والمنع معجزة .
والبيان في هذه المسألة : أنّ القرآن إمّا في نفسه يكون معجزا أو لا يكون فإن كان معجزا فقد حصل المطلوب وإن لم يكن معجزا بل كانوا قادرين على الإتيان بمعارضته وكانت الدواعي متوفّرة على الإتيان بهذه المعارضة وما كان لهم عنها صارف ومانع ، وعلى هذا التقدير فإنّ الإتيان بمعارضته عندهم واجب فعدم الإتيان بهذه المعارضة مع التقديرات المذكورة يكون نقضا للعادة فيكون مع التحدّي معجزا فثبت الإعجاز .
وفي هذه الآية أيضا دلالة على أنّ السؤال بالروح وقع عن القرآن لأنّه من تمام الآية ومن تمام ما أمر اللَّه نبيّه أن يجيبهم .
* ( [ وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ ] ) * أي ولقد أخبرناهم وبيّنّا لهم في هذا القرآن من كلّ ما يحتاجون إليه في دينهم ودنياهم ليتفكّروا فيها * ( [ فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ ] ) * من القبول وزادوا جحودا للحقّ كأنّه قيل : فلم يرضوا * ( [ إِلَّا كُفُوراً ] ) * لأنّ لفظ « أبى » معناه النفي .
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 268
مساهمون: مير سيد علي الحائري الطهراني
ص٢٦٨