تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 254

مساهمون:

ص٢٥٤
الأرواح العلويّة والجواهر القدسيّة وليس في موجودات العالم السفليّ شيء حصل فيه شيء من العالم العلويّ إلَّا الإنسان فوجب كون الإنسان أشرف موجودات العالم السفليّ . والتاسع أنّ أشرف الكلّ من الموجودات هو اللَّه وكلّ موجود كان قربه من معرفة اللَّه أتمّ وجب أن يكون أشرف فلا شكّ أنّ الإنسان إذا كان قلبه مستنيرا بمعرفة اللَّه ولسانه مشرّفا بذكر آلاء اللَّه وجوارحه مكرّمة بطاعة اللَّه أشرف من غيره من الموجودات السفليّة . ولمّا ثبت أنّ الإنسان موجود ممكن لذاته والممكن لذاته لا يوجد إلَّا بإيجاد الواجب لذاته فكلَّما حصل للإنسان من المراتب العالية فهي حصلت بإحسان اللَّه إليه وإنعامه تعالى فلهذا المعنى قال : « وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ » . قوله : * ( [ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ ] ) * على الخيل والبغال والحمير والإبل * ( [ وَ ] ) * في * ( [ الْبَحْرِ ] ) * على السفن وهذا من مؤكّدات التكريم لأنّه تعالى سخّر هذه الدوابّ له حتّى يركبها ويغزو ويحمل عليها وكذلك تسخير السفن والمياه له * ( [ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ] ) * لأنّ الأغذية إمّا حيوانيّة وإمّا نباتيّة وكلا القسمين إنّما يتغذّى الإنسان منها بألطفها وأطيبها بعد التنقية الكاملة والنضج التامّ البالغ بخلاف غيره * ( [ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا ] ) * بأمور خلقيّة ذاتيّة كالعقل واكتساب المعارف الإلهيّه . والَّذين توقّفوا على أفضليّة البشر من الملك كابن عبّاس والزجّاج استدلَّوا بهذه الآية لأنّ قوله تعالى : « وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا » يدلّ على أنّه قد حصل في مخلوقات اللَّه شيء لا يكون الإنسان مفضّلا عليه وكلّ من أثبت هذا القسم قال : إنّه هو الملائكة فيقتضي أنّ الملك أفضل من البشر . وأجابوا عن هذا القول وقالوا : إنّ المراد بالتفضيل ما فضّلهم اللَّه من فنون النعم الَّتي عددنا بعضها ، وقالوا : إنّ المراد بالكثير في الآية الجميع بوضع الكثير موضع الجميع ، ثمّ إنّه إذا سلَّم أنّ المراد بالتفضيل زيادة الثواب وأنّ لفظة « من » في قوله : « مِمَّنْ خَلَقْنا » يفيد التبعيض فلا يمتنع أن يكون جنس الملائكة أفضل من جنس بني آدم والفضل من بني آدم يختصّ بالأنبياء بقليل من كثير