في قبضته والمقصود أنّهم لا يقدرون على أمر من الأمور في إيذائك ونحن ننصرك حتّى تبلغ رسالتك وتظهر ديني كما قال في موضع : « وَاللَّه ُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ » « 1 » وقيل : معنى قوله :
« إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ » المراد بالناس في هذه الآية أهل مكّة وإحاطة اللَّه بهم هو أنّه يفتحها للمؤمنين ويظهر دولتك عليهم .
قوله : * ( [ وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا ] ) * فيه أقوال :
أحدها أن المراد بالرؤيا رؤية العين وهي ما ذكره في أوّل السورة من إسراء النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله من مكّة إلى بيت المقدس وإلى السماوات في ليلة إلَّا أنّه لمّا رأى ذلك ليلا وأخبر بها حين أصبح سمّاها رؤيا وسمّاها فتنة لأنّه أراد بالفتنة الامتحان ليعرض للمصدّق بذلك جزيل ثوابه والمكذّب به أليم عقابه .
وثانيها أنّها رؤيا نوم رآها صلَّى اللَّه عليه وآله أنّه سيدخل مكّة وهو بالمدينة فقصدها فصدّها المشركون في الحديبيّة عن دخولها حتّى شكّ قوم منهم عمر ، ودخلت عليهم الشبهة فقالوا :
يا رسول اللَّه أليس قد أخبرتنا أنّا ندخل المسجد الحرام آمنين ؟ فقال صلَّى اللَّه عليه وآله : أو قلت لكم أنّكم تدخلونها العام ؟ قالوا : لا فقال : لندخلنّها إن شاء اللَّه ، ورجع ثمّ دخل مكّة في العام القابل فنزل : « لَقَدْ صَدَقَ اللَّه ُ رَسُولَه ُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ » « 2 » وإنّما كان ذلك فتنة وامتحانا .
وثالثها أنّ ذلك رؤيا رآها النبيّ في منامه أنّ قرودا تصعد منبره وتنزل ، فساءه ذلك واغتمّ به ، ولم ير بعد ذلك ضاحكا حتّى مات صلَّى اللَّه عليه وآله وهو المرويّ عن أبي جعفر وأبي عبد اللَّه عليهما السّلام قالوا : إنّ الشجرة الملعونة في القرآن هي بنو اميّة . وروي عن منهال ابن عمرو قال : دخلت على عليّ بن الحسين فقلت له : كيف أصبحت يا ابن رسول اللَّه ؟ فقال :
أصبحنا بمنزلة بني إسرائيل من آل فرعون يذبّحون أبناءهم ويستحيون نساءهم وأصبح خير البريّة بعد رسول اللَّه يلعن على المنابر وأصبح من يحبّنا منقوصا ومغصوبا حقّه بحبّه إيّانا ، ثمّ بكى وقال عليه السّلام : وا ذلَّاه لامّة قتل ابن دعيّها ابن بنت نبيّها .
هامش
( 1 ) المائدة : 70 .
( 2 ) الفتح : 27 .