كقوله : « فَبَشِّرْ عِبادِ . الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ » « 1 » وقال : « فَادْخُلِي فِي عِبادِي » « 2 » وقال :
« عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّه ِ » « 3 » .
ولمّا ذكر سبحانه الحجّة اليقينيّة في إبطال الشرك بقوله : « لَوْ كانَ مَعَه ُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا » « 4 » بدليل التمانع وذكر الحجّة اليقينيّة في صحّة المعاد بقوله : « قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ » قال في هذه الآية بقوله : * ( [ وَقُلْ لِعِبادِي ] ) * إذا أردتم إيراد الحجّة على المخالفين فاذكروا الدليل بالطريق الأحسن وهو أن لا يكون ذكر الحجّة بالشتم والسبّ ، وذلك لأنّ ذكر الحجّة لو اختلط به شيء من السبّ والشتم لقابلوكم بمثله كما قال : « وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّه ِ فَيَسُبُّوا اللَّه َ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ » « 5 » ويزداد الغضب وتتكامل النفرة ، ويمتنع حصول المقصود * ( [ إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ ] ) * أي متى صارت الحجّة ممزوجة بالبذائة صارت سببا لثوران الفتنة ، ثمّ قال سبحانه : * ( [ إِنَّ الشَّيْطانَ ] ) * عداوته مع الإنسان قديمة .
وسبب النزول أنّ المشركين كانوا يؤذون النبيّ وأصحابه وكان الأصحاب يقولون للنبيّ : ائذن لنا في قتالهم . فأنزل اللَّه هذه الآية ، ثمّ قال سبحانه : * ( [ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ ] ) * بإخراجكم من مكّة وتخليصكم من إيذائهم * ( [ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ ] ) * بتسليطهم عليكم وهو أعلم بالمصلحة . وقيل : معناه إن يشأ يرحمكم بفضله وإن يشأ يعذّبكم بعدله ، فيكون الخوف منه والرجاء إليه .
ثمّ خاطب النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله فقال : [ فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ] لأعمالهم بل إنّا أرسلناك داعيا لهم إلى الإيمان شاؤوا أم أبوا فإن أجابوك ، وإلَّا فلا شيء عليك فإنّ عقاب ذلك يحلّ بهم . وقيل : إنّ المراد من قوله : « وَقُلْ لِعِبادِي » هاهنا الكفّار ولا يبعد في هذا الخطاب ليكون سببا لجذب قلوبهم وميل طباعهم إلى الدين .
قوله : * ( [ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالأَرْضِ ] ) * لمّا ذكر « ربّكم أعلم بكم » ذكر أنّ علمه غير مقصور عليكم بل علمه متعلَّق بجميع الموجودات السماويّة والأرضيّة ولهذا
هامش
( 1 ) الزمر : 17 ، 18 .
( 2 ) الفجر : 31 .
( 3 ) الدهر : 6 .
( 4 ) السورة : 42 .
( 5 ) الانعام : 108 .