تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 233

مساهمون:

ص٢٣٣
خرجت هذه الآية على وفق عادة العرب وذلك لأنّهم كانوا يجمعون الأموال بالنهب والغارة ، ثمّ كانوا ينفقونها في طلب الخيلاء والتفاخر وكان المشركون ينفقون أموالهم ليصدّوا الناس عن الإسلام وتوهين أهله ، فنزلت هذه الآية تنبيها على قبح أعمالهم . قوله : * ( [ وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها ] ) * أي إنّك إن اعتراك الاضطرار بأن تعرض عنهم حياء فلا تعرض عنهم وقل لهم إلخ لأنّه صلَّى اللَّه عليه وآله إذا سئل ولم يكن له شيء يعرض حياء . إنّك إن أعرضت عن ذي القربى والمسكين وابن السبيل حياء من التصريح بالردّ بسبب الفقر والقلَّة * ( [ فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا ] ) * سهلا ليّنا وقوله : « ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ » كناية عن الفقر لأنّ فاقد المال يطلب إحسان اللَّه فلمّا كان فقد المال سببا لهذا الطلب أطلق اسم السبب على المسبّب فسمّي الفقر بابتغاء رحمة اللَّه ، والحاصل أنّ عند حصول الفقر لا تترك تعهّدهم بالقول الجميل والكلام الحسن بل تعدهم بالوعد الجميل والردّ بالطريق الأحسن في القول . قوله : * ( [ وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً ] ) * لمّا أمر سبحانه رسوله بالإنفاق في الآية المتقدّمة علَّمه أدب الإنفاق نظير ما وصف عباده المؤمنين في الإنفاق في سورة الفرقان فقال في السورة : « وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً » « 1 » فهنا أمر رسوله بمثل ذلك الوصف فقال : « وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ » أي لا تمسك عن الإنفاق بحيث تضيّق على نفسك وأهلك في وجوه صلة الرحم وسبيل الخيرات للفقراء كالمغلولة الممنوعة من الانبساط كالَّذي يداه مشدودة ولا تتوسّع توسّعا مفرطا بحيث لا يبقى في كفّك شيء وتعطي جميع ما عندك * ( [ فَتَقْعُدَ ] ) * من العمل وتلوم نفسك وتلام * ( [ مَحْسُوراً ] ) * كالبعير المنقطع له وسط الطريق ، وتبقى متحسّرا مغموما . روي أنّ امرأة بعثت ابنها إلى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وقالت : قل له : إنّ امّي تستكسبك درعا فإن قال : حتّى يأتينا شيء ، فقل له : إنّها يطلب قميصك ، فأتاه وقال له ما قالت له ، فنزع صلَّى اللَّه عليه وآله قميصه ودفعه إليه ولم يجد صلَّى اللَّه عليه وآله شيئا يلبسه ولم يمكنه الخروج إلى الصلاة فلامه الكفّار ، وقالوا : إنّ محمّدا اشتغل بالنوم واللهو عن الصلاة .
هامش
( 1 ) الفرقان : 67 .