ابن جبير أنّ معناه : أمرناهم بالطاعة فعصوا وفسقوا ، كقولك : أمرتك فعصيتني . ويشهد بصحّة هذا المعنى الآية المتقدّمة وهي قوله : « مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِه ِ - إلى قوله - وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا » على أنّه لم يجز في العقول تقديم إرادة العذاب على المعصية لأنّه عقوبة عليها ويستحقّه لأجلها ، فمتى لم توجد المعصية لم يحسن فعل العقاب ، وإذا لم يحسن فعله لم يحسن إرادته .
وقد ذكروا وجوها أخر وهو أنّ قوله : « أَمَرْنا مُتْرَفِيها » من صفة القرية وتقديره :
وإذا أردنا أن نهلك قرية صفتها أنّا كنّا قد أمرنا مترفيها ففسقوا فيها . فلا يكون لإذا جواب ظاهر في اللفظ للاستغناء عنه بما في الكلام من الدلالة عليه ، ونظيره « حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها - إلى قوله - وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ » « 1 » فلم يأت لإذا جواب في طول الكلام للاستغناء عنه .
ووجه آخر أنّ الآية محمولة على التقديم والتأخير وتقديرها : إذا أمرنا في قرية بالطاعة فعصوا أردنا إهلاكهم . وممّا يمكن أن يكون شاهدا لهذا الوجه قوله : « إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ » « 2 » والطهارة إنّما تجب قبل القيام إلى الصلاة ، والأصحّ القول الأوّل .
قال الكعبيّ : إنّ سائر الآيات دلَّت على أنّه لا يبتدئ بالتعذيب والإهلاك لقوله : « إِنَّ اللَّه َ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ ، الآية » « 3 » وقوله : « ما يَفْعَلُ اللَّه ُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ » « 4 » وقوله : « وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَأَهْلُها ظالِمُونَ » « 5 » وقوله :
« مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِه ِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها » « 6 » ومن المحال أن يقع بين آيات القرآن تناقض فيجب حمل هذه الآية على تلك الآيات ، ولأنّه تعالى لا يعذّب أحدا بما يعلمه منه ما لم يعمل به .
قوله : [ فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ ] أي وجب حينئذ على أهلها الوعيد والهلاك .
قوله : * ( [ وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ ] ) * والأمم الماضية المكذّبة * ( [ مِنْ بَعْدِ ] ) * زمان * ( [ نُوحٍ ] ) * إلى
هامش
( 1 ) الزمر : 73 .
( 2 ) المائة : 7 .
( 3 ) الرعد . 12 .
( 4 ) النساء : 146 .
( 5 ) القصص : 59 .
( 6 ) الأسراء : 15 .